كتاب وأراء

رشا عمران : «غـزوات الـتـسـوق» فـي دمـشـق !

قبل يومين تناقل النشطاء السوريون على فيسبوك صور لعدد كبير من المواطنين الأردنيين العائدين من سوريا، محملين بالضائع السورية، وهم عالقون على النقطة الحدودية بين سوريا والأردن، الخبر يقول أنهم عبروا مركز الحدود السورية، لكنهم علقوا في مركز الحدود الأردنية بسبب إغلاق المركز لأنه كان يوم عطلة رسمية!
حتى الآن الخبر يبدو مضحكا، إن كان ما تم تناقله صحيحا، لكنه أيضا في سياقه الطبيعي، فالحدود بقيت طيلة ست سنوات مغلقة بالكامل، وإتفاقية فتح الحدود، بين الجانبين السوري والأردني، قد أنجزت قبل ايام قليلة، وتحتاج زمنا حتى تعود حركة السير إلى وضعها الطبيعي المعتاد. غير أن الصور المتناقلة تركت لدى السوريين انطباعا سيئا جدا، سواء من يعيش في داخل سوريا أو من يعيش خارجها، كانت تعليقات السوريين على الصور محزنة فعلا، فما أن تم فتح الحدود حتى تهافت بعض الأردنيين على الداخل السوري، لا ليطمئنوا على إخوتهم، ولا ليواسوهم على أحزانهم المديدة، ،وإنما كي يتبضعوا من الأسواق التي يرونها زهيدة الأسعار قياسا إلى الأسواق الأردنية، وقياسا إلى دخل الفرد الأردني.
هل هناك من يلوم السوريين إذا ما عبروا عن غضبهم من حالة التهافت التي أبداها بعض الأردنيين للدخول إلى سوريا؟! قد يبدو من الصعب التفكير بالأمر، إذ لماذا سيغضب محاصر، كما هي حال السوريين في سوريا خلال ست سنوات، إذا ما تم فتح الحدود بينه وبين دولة أخرى جارة وشقيقة؟! غير أن للأمر وجها آخر، فالحدود لم تفتح لمواطني البلدين، هي فتحت، عمليا، فقط كي يتمكن الأردنيون من دخول سوريا، بينما مازالت الأردن ممنوعة على السوري، سواء من كان يعيش في سوريا أو من كان يعيش خارجها، فما دام( يتمتع) بالجنسية السورية، فهو ممنوع من دخول الأردن، أما الأردنيون الذين بدؤوا يملؤون أسواق دمشق، وينتظرون بالمئات على بوابات الحدود كي يتمكنوا من دخول سوريا، فهؤلاء عبروا مباشرة عن سعادتهم بالعودة إلى سوريا، حيث المصايف والأسواق الرخيصة، سوريا بالنسبة لهم ليست أكثر من ذلك، هؤلاء لا يرون، وهم في غزوات التسوق، المشردين الذين يبحثون في حاويات الزبالة عن بقايا طعام صالح للأكل، ولا يرون كيف ينام المشردون في الحدائق، ولا يرون السوريون العفيفين وهم ينتظرون آخر النهار كي يشتروا نفايات الخضار والفاكهة لأنها أرخص سعرا، ولا يرون دموع الأمهات في آخر الليل وهن يعجزن عن إيجاد ما يسد رمق أطفالهن، بعد أن فقدن الازواج والأبناء الذكور، أصحاب غزوات التسوق السعداء بما يحملونه من بضائع سورية، لا ينتبهون إلى الدمار المحيط بدمشق، ولا يسمعون أصوات التعذيب المنطلقة من المعتقلات والسجون في وسط دمشق، ولا يشمون رائحة الموت المنتشرة في كل زاوية وشارع وحي، ولا ينتبهون للمقابر التي أصبحت وسع الأرض السورية، هؤلاء أيضا لا يهتمون بملايين السوريين الذين لا يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم التي بدأت تفتح في وجه الجميع وتغلق في وجه أبنائها، هؤلاء لم يعنهم ذلك أصلا، فسوريا لهم هي مجرد سوق تجاري، وعلاقتهم هي مع التجار، لا مع البشر ولا مع الحجر، البشر والحج غير مهمين في زمن فقدان قيم الإنسانية والتعاطف والجيرة والأخوة.
يدرك السوريون أن الحكومات تنجز الاتفاقات التي تتناسب مع مصالح بلادها، هذا ما فعلته الحكومة الأردنية، لا يحق لأحد لوم حكومة على الاهتمام بمصالح بلدها ومواطنيها، ولم يعد يعول السوريون على حكومتهم أيما تعويل، فهم يعرفون أن الحكومة والنظام باعوا الوطن منذ زمن، وفتكوا بسوريا وبأبنائها شر فتك، ليس مهما إذا إن عقدت هذه الحكومة اتفاقا كإتفاق فتح الحدود مع الأردن، لكن السوريين كانوا يعتقدون أن جيرانهم وأشقاءهم الأردنيين سوف يكونون أكثر رحمة وعدلا، سوف ينتظرون قليلا ليروا ردة فعل جيرانهم وكيف سينعكس هذا الاتفاق عليهم، لكنهم، كعادتهم، منذ سبع سنوات، لم ينلهم سوى الخيبة والخذلان، وهم يرون ما يؤكد لهم أن ما تبقى لهم في بلدهم هو ذكريات مرمية على الشوارع ويطؤها الغرباء من كل مكان.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران