كتاب وأراء

مــقــتــطــفـــــات صــحــفــيــــــة

نزار عابدين
• قرأت مقالاَ لمن وضّحت الصحيفة أنه أستاذ لسانيات في إحدى الجامعات، واللغويات أو اللسانيات أو علم اللغة علم يهتم بدراسة اللغات الإنسانية ودراسة خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين فيما بينها، ويدرس اللغة من كل جوانبها دراسة شاملة.
حسناً، هنا يصير العتب مضاعفاً مرات كثيرة، فهذا أستاذ جامعي لغوي، أي إنه مرجع، وبصفته الأكاديمية يجب أن يتحرى الدقة، نقل الأستاذ قول أبي العتاهية:«إلهي لا تعذبني / فإني مُقر بالذي كان مني» وينسب البيت مع أبيات أخرى أحياناً إلى الإمام علي كرم الـلـه وجهه، والإشارة «/» من مقاله وليست من عندي، وهذا يعني أنه وضع «فإني» في الشطر الثاني، كما أنه حذف كلمة من هذا الشطر فاختل الوزن وهو من الوافر، فقد حذف «قد» والبيت كما في الديوانين:
إلهي لا تـعـذّبني فـإنّي مُقِـرٌّ بالذي قد كان مني
• في مقالة لكاتب صديق يحمل درجة الدكتوراة نقل عن كاتب عربي حديثاً مطولاً عن بيتي أبي تمام الشهيرين، وقد ضبطهما بالشكل كما وردا في الديوان، أو عند الكاتب العربي: «نـقِّـلْ فؤادَكَ حيثُ شئتَ من الهَوى/ ما الحبُّ إلّا للحَبيبِ الأوَّل/ِ كَمْ منزِلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى/ وحنينُهُ أبداً لأوَّلِ منزِلِ».
ويقول الكاتب الصديق: اختلف المختليفون حول مضمون بيتي شعر أبي تمام، وفي هذا قال أحدهما منوعاً، لقد قلت «المختلفون» فهم جمع إذن، فكيف قلت «أحدهما»؟ ولا أدري من نقل تنويعات على بيتي أبي تمام، لكنه يقول: قال شاعر ثانٍ:
«دَع حبَّ أوَّلِ مَن كُلِّفتَ بحبهِ
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الآخِرِ
ما قد تَولّى لا إرجاعَ لِطِيبِهِ
هَل غائِبُ اللذاتِ مثلُ الحاضرِ؟ ».
هذا الكلام منقول من كتاب «الصناعتين» لأبي هلال العسكري، ولكنه قال: كُلِّفت، فانكسر الوزن، والصحيح كَلِفت، وقال: لا إرجاع، وانكسر الوزن أيضاً، وهي: لا ارتجاع، ويمكن القول: لا رجوع.
• الكاتب روائي مثقف وأستاذ جامعي، ويتحدث في مقاله بنقد جميل عن رواية لكاتبة شابة هي ابنة مسرحي عظيم، ويقول في المقال مرتين «إنها رواية سيرية» ولكي لا تستغربوا الكلمة أقول إن كلمة سيرية مشتقة من «سيرة» ومعنى كلام الكاتب أنها رواية «سيرة ذاتية» وما يهمنا الآن هو: هل نستطيع اشتقاق هذه النسبة؟ أما «السيرة» فمعروفة في اللغة العربية، ولم يكتب أحد سيرته الذاتية، ولكن مؤلفين آخرين كتبوا هذه «السير» وفي الأدب الشعبي الشفهي سير كثيرة مثل سيرة بني هلال، وسيرة عنتر، وسيرة الزير سالم، وأشهر سيرة «سيرة ابن هشام» وهي عن النبي محمد صلى الـلـه عليه وسلم.
وليس للنسبة في اللغة العربية إلا صيغة واحدة، وهي إلحاق «ياء» النسبة بالاسم: بيروت بيروتي، هاشم هاشمي، ولكن بعض التغييرات قد تدخل على المنسوب مثل: صحيفة صحَفي، مدينة مدَني، قرية قروي، دم دموي. ويشبه اشتقاق الكاتب لهذه النسبة ما أورده اللغويون عن النسبة إلى «الحِيرة» وهي مدينة في العراق بجنب الكوفة، إذ قالوا في النسبة إليها «حيري وحاري»، ومع ذلك كنت أفضل أن يقول الكاتب: هل الرواية سيرة ذاتية؟
• وعلى ذكر النسبة، ثمة خطأ شائع يتكرر كثيراً، إذ نقرأ: البنغلاديشي، نسبة إلى دولة بنغلاديش، وتتكون كلمة بنغلادش من شقين، «بنغلا» تشير إلى البنغال و«دش» بمعنى بلد أو أرض، أي تعني أرض البنغال، فلماذا لا نقول «البنغالي»؟ ويشبه هذا ما يقال عن أحد إنه «كردستاني» وكرُدستان كلمة تتكون من مقطعين «كرد» وتعني أو تشير إلى الأكراد و«ستان» وتعني أرض أو بلاد، وبذلك فإن كلمة كردستان تعني بلاد الكرُد، ولذا من الخطأ الإشارة إلى الأحزاب الكردية باسم «الكردستاني» بل يجب القول الكردي. وكذلك «الأفغانستاني» وهي تتكون من مقطعين «أفغان» وهم الشعب المعروف، و«ستان»، وترد في أسماء دول كثيرة: طاجكستان (بلاد الطاجيك) تركمانستان (بلاد التركمان) تتارستان (بلاد التتار) أوزبكستان (بلاد الأوزبك). هل تذكرون المصلح المفكر جمال الدين الأفغاني؟ قياساً على هذا الخطأ المتكرر يجب أن نقول «الأفغانستاني».
• هذا كاتب صحفي انتقل إلى التليفزيون وصار نجماً، لكنه ما زال يحن إلى أيام الصحافة، فيكتب أسبوعياً. قال في مقالة له: «فنظر إلى بعيون....» ولم أكن لأعلق على هذا الخطأ لولا أنه شائع في كتابات كثيرين، وهو خطأ مأخوذ من العامية، فالعامة يقولون «عيونه» و«عيونها» وللإنسان عينان، فيجب القول «نظر إلى بعينين».
• قلت كثيراً إن عتبنا على الكبار مضاعف، لأنهم قدوة للمبتدئين. وقلت كثيراً إن بعض الكتاب الصحفيين يسمحون لأنفسهم بإصدار أحكام عامة في الأمور الأدبية دون تدقيق. قال كاتب صحفي مخضرم من أشهر الصحفيين العرب «يجب أن نتذكر دوماَ أن الرثاء في الأدب العربي صرف فقط للنساء، الخنساء تبكي شقيقها صخراً، وكفى» ونبين أولاً أنه أخوها وليس شقيقها (الشقيق أخ من الأب والأم) فمن أين أتى هذا الصحفي اللامع بهذا الحكم القاطع؟ ألم يقرأ الشعر العربي (وليس الأدب العربي) ليجد مئات وربما آلافاً من قصائد الرثاء قالها الشعراء (أي الرجال)؟ وما معنى «صرف فقط للنساء»؟ وهل نحن في مصرف؟.
• وصل الخطأ إلى العناوين الكبيرة أي عناوين الكتب. صدرت في أبريل عام 2018 عن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة ترجمة لرواية للكاتب النمساوي دانيال غلاتاور، عنوانها الأصلي باللغة الألمانية GUT GEGEN NORDWIND #2 وبالإنجليزية GOOD FOR NORTH WIND، والترجمة الحرفية لها بالعربية «جيد للرياح الشمالية» ووجود رقم 2 يشير إلى أنها الجزء الثاني من رواية أخرى صدرت عام 2015 بعنوان «نسيم الصبا» واسمها الأصلي GUT GEGEN NORDWIND #1 والرواية ليست أكثر من رسائل إلكترونية متبادلة بين رجل وامرأة، ولم يكتف المترجم محمود حسنين بترجمة الجزء الأول إلى «نسيم الصبا» بل ترجم الجزء الثاني إلى «الأمواج السبعة» ويهمنا هنا الآن هذا الخطأ الكبير في العنوان، وغريب أن يمر الخطأ على المترجم والجهة التي نشرت الكتاب. من أبسط قواعد العدد والمعدود أن الأعداد (من الثلاثة إلى التسعة) تخالف المعدود في التذكير والتأنيث، سواء كان ذلك في الإفراد أو التركيب أو العطف نحو: قوله تعالى: «فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة اذا رجعتم» وقوله تعالى: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام» وقوله: ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً وقوله: «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً» فماذا إذا جاء العدد بعد المعدود؟ لا تتغير القاعدة، قال تعالى في سورة الفجر «والفَجْر. وليالٍ عَشْر» لأن العدد «عشرة» يعامل إذا كان مفرداً معاملة الأعداد من ثلاثة إلى تسعة، وحسب الطريقة التي ترجم بها المترجم عنوان الرواية يمكن أن تكون «وليال عشرة».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين