كتاب وأراء

جمال عدوي .. يحدث في فضاءات العمل السياسي

لا بد من المراجعات المتجددة لمسارات تجارب العمل السياسي، فحين تخفق الجهات المناط بها تدبير أمور الشعوب والمجتمعات في تحقيق التطلعات الاساسية المشروعة من توفير للاحتياجات الضرورية ( الغذاء والدواء والمسكن.. الخ) وتوفير الأمن وبسط السلم وتعزيز دعائم الاستقرار، فذلك يعني أن هنالك أخطاء ما تستدعي المراجعات فكرا وسياسة.
الواقع السياسي الراهن إقليميا ودوليا تتخلله بين الفينة والأخرى إخفاقات ظاهرة مبعثها الانحراف عن الطريق المستقيم.
لقد شهدت عدة دول خصوصا في ما يعرف بالعالم الثالث انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان.ان المراقبين يكررون القول بأنه لامعنى للسياسة دون اخلاق. في سنواتنا الراهنة تضطلع الكثير من المنظمات الحقوقية بمهام تذكير العالم بضرورة مراعاة الالتزام بمعايير ومفاهيم وقيم حقوق الإنسان. في عالم صار فيه للاعلام بما اكتسبه من تطور بفضل القنيات الحديثة غير المسبوقة لم يعد ممكنا اخفاء اخطاء الانظمة السياسية التي تضرب بقيم حقوق الإنسان عرض الحائط.
العالم صار قرية صغيرة يتابع فيها الناس بشكل مباشر تطورات الاحداث لحظة بلحظة.. وعبر التأمل لوقائع عديدة من وقائع الاحداث العالمية فإن المراقب يلحظ بشكل مستمر وجود انتهاكات ظاهرة لقيم ومعايير ومفاهيم حقوق الإنسان.
في السياق ذاته نجد أن الأنظمة القمعية تنفق بسخاء على ملف الأمن، والغريب ان مفهومها للامن ليس هو مفهوم امن المواطن العادي وانما امن النظام الذي يكون نظاما ديكتاتوريا بكل المقاييس.
حين تغيب الحريات وحين تصادر الانظمة لقمعية حرية التعبير وتطارد الاعلاميين بكل السبل والوسائل في تنكر واضح لحقوق الإنسان.. فإن النتيجة النهائية في الاداء السياسي تكون صفرا لأنه لا معنى للحياة اذا كانت الانظمة التي يناط بها خدمة الشعوب والمجتمعات هي التي تعمد إلى ارتكاب الجرائم.. وما أكثرها!.
عبر سنوات طويلة تفاعلت اسئلة الاختيارات السياسية في المشهد العربي، وفي غضون ذلك كانت هنالك مشاريع واعدة تتعرض للاجهاض اما بشكل فردي أو بشكل جماعي.. وكانت آخر حالات الاخفاق المحزنة ما عرفه الربيع العربي الذي استهلته الساحة التونسية بثورة الياسمين ( 2011) من واقع أخذت تستشري فيه حالات اليأس من امكانية تجسيد القوى الواعية بأهمية التغيير لانموذج مناسب يتيح الحريات ويحقق الاستقرار وتلتف حوله مختلف القوى الاجتماعية.
حين تشهد المجتمعات اخفاقات ظاهرة فإن حالة من الصمت التقائي تسود الفضاءات العامة.. ووسط ذلك كله تعلو لدى بعض فئات المجتمعات – خصوصا فئة الشباب – رغبات الهجرة لاستشعارها بأن التغيير تواجهه صعوبات.
النخب الفكرية والثقافية وضمنها اهل الابداع أدبا وفنا يكررون باستمرار محاولاتهم لرسم طريق ملائم للتغيير نحو الافضل استنادا إلى فكرة عريضة هي ان بسط حرية التعبير والاحتكام إلى الحوار العقلاني حول احوال المجتمعات هو المنطلق الاكثر أهمية لجعل الحاضر افضل من الماضي بمعنى ان تحل الانجازات السياسية الواعية مكان الاخفاقات الناجمة عن التحرك دون افكار علمية تستلهم قيم المجتمع وتطلعاته.

بقلم : جمال عدوي

جمال عدوي