كتاب وأراء

طـالـعـة مـن بـيـت أبـوهـا

- نزار عـابـديـن
قنوات التليفزيون العربية مزدحمة ببرامج اكتشاف المواهب الغنائية، ومعظم هذه البرامج تقليد لبرامج أجنبية إنجليزية وأمريكية، أو بترخيص من القـناة المنتجة للبرنامج، ولا حاجة لأن أذكر أسماء هذه البرامج، لكنني أتساءل دائماً:
ما مدى حاجتنا إلى اكتشـاف مزيد من المغنين؟ ألا تشـكو السـاحة الفـنية العربية أصلاً من تخـمة فنية حتى صار المتابع النشـط غير قادر على تذكر أسـماء المغنين والمغـنيات؟ وأتسـاءل أيضاً: أين يذهب هؤلاء الذين يتم «اكتشافهم»؟ لا نستطيع تذكر اسم واحد ترك بصمة وحجز لنفسه مكاناً في عالم الغناء العربي. وأتسـاءل: ينجح هـؤلاء المغـنون والمغـنيات من خلال تـقديم روائع الغـناء العـربي، ولكنهم ما إن ينطلـقـوا إلى الحياة العـملية حتى ينضموا إلى السـائد الآن من ألوان الغـناء، ومعـظمه بعيد عـن الغـناء الأصيـل. هـل هؤلاء الهواة عشـاق حقـيقيون للغناء والموسـيقى ؟ لماذا لا نجد بينهـم من درس الموسـيقى والغـناء، ويعرف المقامات والإيقـاعات؟ إنهم يعـتمدون على جمـال الصوت، ولا بـد مـن صقل هـذه الهبة الربانيـة بالعلـم الموسـيقي الغـنائي. هل يتذكر هـؤلاء كم عانى الأوائـل الذيـن يؤدون أغـنياتهم الآن حـتى حقـقوا الشـهرة؟ ولا نلوم هـؤلاء الشـباب لأنهم يسـتعجلون تحقـيق المكاسـب، فهم يرون ما يرتع فيه نجوم اليوم ممن لا يملكون عُشر ما كان الأوائل يملكونه.
نتـذكر نجماً سـاطعاً في مجال الغـناء هـو الفـنان العـراقي ناظم الغزالي مرت قبل أيام ذكرى رحيـله المفاجـئ في 23 / 10 / 1963 عن عمر لا يزيد على 42 عاماً، ويتـذكر أبناء الجيـل القـديم هـذا الفنان العـملاق وأغانيـه التي كانـت ملء الأسـماع، ومن ينسى «طالعة من بيت أبوها» (يدعي الحلبـيون أنها من فـولكلورهـم) ومن ينسـى «فوق النخل، أي شيء في العـيد، عيرتني بالشـيب، سـمراء من قوم عيسى، قـل لـلمليحة (بأداء مختلف عن أداء صباح فخري المشـهور) وكثير غـيرها» لكن مسـتعجلي الشـهرة والغـنى لا يدرسـون حياة هذا الفـنان الكبير، كما لا يدرسـون حياة سـادة الغناء والأسـماء كثيرة، ويكفي ناظم الغزالي فخراً أنـه كان رسول «المقـام العراقي» إلى العـرب جميعـاً، و«المقام» من أصعـب أنواع الغناء أو قمته، كما هو «الصوت» في الخليج العربي. وقد لا يعرف كثيرون أنه كان قارئاً نهماً فامتاز عن زملائه بثقافته، تلك الثقافة التي ظهرت عام 1952 حين بدأ ينشر سلسلة من المقالات في مجلة «النديم» تحت عنوان «أشهر المغنين العرب»، وظهرت أيضاً في كتابه «طبقات العازفين والموسيقيين من سنة 1900 ـ 1962»
ناظم الغزالي كان ويـبقى حالة عالية في الغـناء العراقي والعربي، وكلما مر الزمان عـليه زاده جمالاً.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين