كتاب وأراء

د. عبدالحميد الأنصاري ..لا تمنعوا الهجرات.. لا تبنوا جدراناً بين البشر

العالم اليوم، وبعد أن أصبح أكثر تقارباً واندماجاً، وزادت البشرية عدداً، صار أكثر ضيقاً ونفوراً ورفضاً لبعضه بعضا، آلاف البشر، رجالاً ونساءً وأطفالاً، فروا من أوطانهم، من أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى، تحت ضغوط الفقر والعنف والمجاعة والحروب، وانضموا إلى قوافل مهاجرة تقطع، آلاف الكيلومترات، تتحدى الصعاب والموت والجوع والبرد والمطر في طرق ومسالك وعرة محفوفة بالمخاطر، لا يوقفهم شيء، لا حدود سياسية ولا جدران مانعة ولا أسلاك شائكة، يستمرون في مسيرتهم الشاقة المهلكة، يعبرون الحواجز الطبيعية، جبالاً وودياناً وأنفاقاً، ويركبون زوارق الموت عبر المتوسط، ويموت منهم كثيرون غرقا ( 5آلاف شخص ).
مئات المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء،يقطعون الصحارى المهلكة، ليتسلقوا حواجز مليلة الشاهقة لحدود أوروبا الجنوبية في المغرب، فيسقط منهم من يسقط ويموت منهم من يموت في الطريق، لكنهم لا يتوقفون أبداً، مستمرون أبداً، يجمعهم هدف واحد، وتصميم واحد، وأمل واحد، البحث عن حياة أفضل في العالم الحر: أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
من يقدر على وقفهم ؟ من يستطيع منعهم ؟ بل من يسوغ لومهم ؟ حب الأوطان، فطرة في الإنسان، ولكن ما المخرج أمام هذا الإنسان إذا ضاقت به الأوطان، وتعرض لشتى المخاطر وأصناف الإذلال والهوان، وأصبح خائفا على نفسه وأسرته وأولاده، يتهدده الموت كل ساعة، مضيقاً عليه في رزقه، أليست أرض الله تعالى واسعة، فيهاجر فيها كما هاجر وتنقل آباؤه وأجداده الأول ؟!
ولد الإنسان حراً يتنقل في أرض الله تعالى الواسعة كيف يشاء، ثم اصطنع الإنسان حدوداً مانعة لأخيه الإنسان، حريات التنقل قديمة قدم وجود الإنسان، بل أولى حقوق الإنسان، وما نشأت الحضارات وتفاعلت الثقافات إلا بفعل حركة الهجرات، قبل رسم الحدود واصطناع الكيانات.
في كتاب الإسلام، تقول الملائكة للمستضعفين المستسلمين للذل والهوان: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.
وفِي أدبياتنا، الحث على السفر والترحال، جسدته لامية العجم للطغرائي الأصفهاني: إن العلا حدثتني وهي صادقة…فيما تحدث، أن العز في النقل..لو أن في شرف المأوى بلوغ منى…لم تبرح الشمس دارة الحمل..
وقديماً قال الشاعر:
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا…الأذلان، عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته…وذاك يشج فلا يرثى له احد
نقلت وكالات الأنباء مشاهد تفطر الفؤاد، قافلة بشرية منطلقة من دول أميركا الوسطى المنكوبة بالفقروالفساد والعنف والحروب:، السلفادور، نيكاراغوا، السلفادور، الهندوراس،غواتيمالا، آلاف المهاجرين البائسين، المحبطين، يتجهون صوب المكسيك، إلى أرض الأحلام، الولايات المتحدة، يقطعون آلاف الكيلومترات في ظروف مناخية قاسية، نساء وأطفالاً، القافلة تواصل مسيرتها وترامب يهدد بإغلاق الحدود، ونشر قوات الجيش، مراسلو وكالات الأنباء التقوا بهم، أحلامهم بسيطة، أحد المعاقين على كرسيه المتحرك يشكو: حكومتنا لا تساعد أحداً حتى لو كنت معاقاً، انظر إلى هؤلاء الناس إنهم بدون عمل، وآخر يصمم: رغم كل ما قد يحدث لنا، لن نعود إلى بلادنا، البقاء هنا أرحم، وثالث يتوسل إلى سلطات المكسيك: نحن ذاهبون إلى الولايات المتحدة للحصول على عمل لمدة 6 سنوات، أرجو سلطات المكسيك أن تسمح لنا، يظهر أحدهم مبتسماً: مرحباً دونالد ترامب، نحن آتون لزيارتك !!
أميركا، بلاد المهاجرين الذين صنعوا معجزتها، تتنكر اليوم لهم وتقفل حدودها أمامهم ! أوروبا القارة العجوز، داعية حقوق الإنسان، والأحوج إلى الطاقة المهاجرة،تضيق بهم، حتى بريطانيا العظمى المدينة للمهاجرين في بنيتها التحتية وأنفاقها العنكبوتية وطالما فاخرت العالم بها، تريد الطلاق، لأنها لا تريد مهاجرين !
أكدت الأمم المتحدة أن أزمة النزوح القسري بلغت 69 مليون شخص، ومن فروا من الإبادة والاضطهاد وجرائم الحروب 26 مليون شخص، وأكبر موجات الهجرة نجمت عن أزمات: الكونغو، ومسلمي الروهينغا، والطائفة الأزيدية والأزمة السورية.
ختاماً: لا تقيموا حواجز وحدوداً بين البشر، دعوا الناس تتنقل وتتزاور وتتعارف وتتصاهر، وتبدع وتخلف جيلاً ذكياً بديعاً، BBC أذاعت حلقة رائعة حول مدافعة عن حقوق الشعوب الأصلية،هي ثمرة تزاوج أب كولومبي وأم ألمانية خلف إبداعاً عبقرياً جميلاً.

د.عبدالحميد الأنصاري