كتاب وأراء

جمال عدوي ..آمال بإمكانية تلاقي كلمات أهل السياسة السودانية «1 - 2»

التأمل لمسارات سياسية انطوت صفحاتها يبعث في النفس شعوراً متميزاً بأهمية استخلاص عبر التاريخ.. في هذا السياق، فإن هنالك تجارب كثيرة تتردد أصداؤها في الساحة السودانية حالياً منها استلهام تجربتي ثورة أكتوبر (1964) وانتفاضة مارس– أبريل (1985).
بالنسبة للأخيرة بوسع أبناء جيلي الكتابة عنها بشكل متجدد، فحين اندلعت الانتفاضة كان البعض منا في السنة الثالثة الجامعية أو الرابعة.
في ذلك العام.. تسارعت أحداث سقوط نظام الرئيس الراحل جعفر نميري، عبر سيناريو الانتفاضة الشعبية التي انحاز إليها الجيش بقيادة الرئيس الراحل المشير سوار الذهب.
تجربة نميري فيها عبرة أساسية أنه كان حليفاً للإدارة الأميركية في عام 1985 (إدارة الرئيس رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الابن).. وبالرغم من ذلك انهار النظام سريعاً بكل ما كان يتخلله من معطيات سياسية خاصة به..
كان النظام المايوي (نظام نميري) يعتمد حتى لحظاته الأخيرة على مساندة الحزب الوحيد الذي كان مصرحاً له بالعمل آنذاك وحمل الحزب اسم (الاتحاد الاشتراكي السوداني).
في السادس والعشرين من مارس خرجت أولى التظاهرات ضد نميري ووقتها كان في طريقه إلى الولايات المتحدة الأميركية (للعلاج).
مرت عشرة أيام تزايد فيها اشتعال التظاهرات واخفق نظام نميري في حماية نفسه من الغضب الشعبي.
حين وصل المشير جعفر نميري إلى القاهرة بعد 10 أيام من اندلاع الانتفاضة الشعبية، لم يجد «البساط الأحمر» في انتظاره وهو يطل من نافذه الطائرة الرئاسية تأهباً للنزول واللقاء بـ«حسني مبارك»!.
توالت الأحداث عاصفة.. وقال مبارك لنميري إن الأحداث تطورت في السودان وروى له بإيجاز حقيقة الموقف وقال إنه يفضل ألا يتوجه (نميري) إلى الخرطوم.
أصر نميري على العودة، لكن كابتن الطائرة رفض الإقلاع بها لورود إشارة من مطار الخرطوم بأن المطار أغلق بعد التطورات السياسية المتسارعة.. ويروى أن نميري قال «إن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو أنني لم أتعلم قيادة الطائرات».
أقول هنا باختصار إن العبرة مما حدث في السادس من أبريل عام 1985 هو أن بعض القوى الدولية يمكنها التخلي عن أي حليف لها في الوقت الذي تراه مناسباً.
إن سنوات عديدة قد مرت منذ تاريخ إسدال الستار على تجربة حكم نميري في عام 1985 حتى الآن ( 2018). ولكن الخواطر تتعمق في استكشاف كنه ما يمكن أن تشهده الساحة السودانية في حال الإخفاق في إيجاد فضاء سياسي واسع تتلاقى فيه أفكار كل أهل السياسة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار عبر رؤية تستحضر أهمية التقدم نحو إنجاز ما ظلت جموع الشعب تنتظره من منجزات اقتصادية مأمولة.. فلسنوات طويلة ظل الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات بالسودان يستعيدون بفخر ما يقوله خبراء عالميون من أن السودان وكندا وأستراليا يمثلون دول المقدمة التي يمكن أن تكون (مستقبلاً) سلة لغذاء العالم.
إن واقع السياسة عالمياً قد تغير فقد صارت لنداءات التطور الاقتصادي والتكنولوجي الأولوية في واقع العمل السياسي واختياراته المتجددة.إن الآمال لا تنقطع بإمكانية أن تتلاقى كلمات أهل السياسة السودانية سريعاً على رؤية حكيمة تختصر الأزمنة وتعين المجتمع السوداني بأسره على تحقيق أغلى آماله في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والإبداع.
(يتبع)
بقلم : جمال عدوي

جمال عدوي