كتاب وأراء

انتقام الرومانسيات «3»

الرومانسية لا خِيرة لها في مُحيطها، فهي تُصاحب زوجات زملائك، تولم لعشيرتك، تبتسم لربع صغارك، تغرد بفرح أختك وتَحُد لعزاء جارك. لذا، فإمكانية أن تُصبح شخصية عظيمة، نسبتها ضئيلة. فلا وربك لا تتعامل معها ككائن خامل الذكر أو كمعيلة عبء عليك، لأنك بدونها ستكون أنت عبء على الحياة بأسرها. أما أن تتعاطى معها كموظفة هينة الشأن أو كشخص نصف غبي أو كمتسول لم يبق على سترته أزار، متناسياً أنها يوم زواجكما كانت بكامل أزرارها، ياقاتها عدا لياقاتها. لكنها إصابات عمل منزلي، فبات يعوزها عروات أو رتب ترقي.
الرومنسيات يغدقن على الشريك بفيض المشاعر، فيعتذر الأخير كونه لا يجيد الملاطفة، حيث إنه «تخصص صلف»، رغم أن الرومانسيات يتغذين على مشاعر التقدير، تلك التي فطمها الزوج بعيد توقيعه على صك القران.
ولكثر ما تهفو الرومانسية للشعور أنها طالبة المدرس المدللة، لكنه يصر معاملتها كمدبرة منزل.
-الرومانسية ترفض تلميحاتك بأنها دميمة لكن أخلاقها الحسنة تعوض خلقتها القبيحة.
لكأنك تحفر قبرك بلسانك، فسحق أي كائن يولد رغبة في الانتقام، فلتحتاط من مخاطبتها بـ:«أنت حلوة في نظري»، ما يحمل معنى مبطنا أنه رُغم افتقادك للحسن، إلا أنك ستتغاضى عن نقيصتها!
فالدلالة تغلب الإعراب يا عزيزي، ثم أن الأمر ليس بحاجة لمفرخة إطراء بقدر احتياجه لصدق التعاطي، وعليه، فدعك من التحذلق بأناقة المجاز.
لا تشعرها بدونية لعجزها عن مداراة من يبدرون أجسادهم في اللألي السطحي، لأن النتيجة ستكون انتقاما صامتا يعتمل بصدرها، ثم تشرع في التلهي بعداك ولو ببرنامج طبخ، أو لربما تشرد مع أحلام يقظة تستولد منها الصبر على الهموم من صلب مستحيل الأوهام.
فلا تترك سهرها يعاقر ليلها لتضاجع الوهم أملًا في أن يثمر من رحمها رؤية مبشرة ولو سفاح لتجهض فجيعتها في واقعها النكِد معك.
-لطلاما تؤنب الرومانسية نفسها لكونها كانت نبتة خضراء، فكافأتها بسهم قان، دفعت عمرها ثمنًا لهكذا خضار أغرّ، حين أمليت عليها قائمة لاءات مَلِكٍ، مُسَلَط، نَدِي اليد، يُعطي بمنٍّ إن رضي، ويبطش بكبر إن سخط، أما وأنه يحاسبها محاسبة الإله الذي طردها من رحمته.
-يعن لبعض الأزواج تقمص دور حامل الأعباء الأوحد، متهمًا شريكة الكفاح بعدم النفع، بينما هو المسكين الكادح. فتنطبع مناكفاته كبقعة الحبر على وجناته التعس، فيعتاد التجهم وتضطرب تفاحة آدم في حلقه هبوطًا وصعودًا إن أسفرت زوجته عن مطلب لبيتها، فيصير ديدنه المحافظة على مظاهر شراسته حد التلذذ، لتفكر كثيرًا قبل مطالبته بشيء.
-الرومانسيات كن يومًا منفتحات على الحياة، لكن بعد هدم الهيكل على رؤوسهن، بتن يتعلقن بأحزانهن، وأمسين يتغذين بعشب الهموم في براري الأحزان، حتى لترى إحداهن تؤثر التمسك بكل مضطرب جاسم على حياتها، تتعكز على سيجارة، تواسي نفسها بأغنية «أكتبلك تعهد»، حين صار الأمان مع شريك العمر كرقاص الساعة، فابتلعت لقمة الهناء مع خوفها من لهيب ارتجاع المريء من أثر انتظارها للحظات المماحكة المرتقبة، لتيقنها أن الخيبة تتربص بها. فتواجه اخفاقاتها بشجاعة اليائس، بتهوره أو استبياعه، أو ربما تثور على الزاوية الصغيرة التي وضعها الله فيها، فتشتاق لأن تكون منصبًا لم تتبوأه، أو موهبة لم ترعها، نيشانًا لم تتقلده أو ميراثًا لم تتحصل عليه لتنال نظرة اعتبار أعدمتها أياها.
إياك أن تُطالع زوجتك راقصة، فتحدثها نفسها أن لو كان أنفي أصغر، خصري أنحف، شعري أكثف، أظافري أطول أو شفتاي املأ، لحيزت لي معاملة أنثى، فتُحسد فنانة على أضواء، لكون قنديلها خفت آن تنظيفها المرحاض.
إنها تبنيك خفية، فلا تهدها علنًا، وقدم لنفسك بعدم معاملة جسدها كمرحاض بشري. ويحَك يا رجل، فهي نصفك الآخر لا فتاة قابلتها في حانة، فقبيح بك وإن قدم العهد، معاشرتها كالبهائم. وتَذَكر أنه حين يهترئ العمر، لن تجد من يسندك إلا تلك التي أطحت بأدميتها.


بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي