كتاب وأراء

في قضية خاشقجي .. من «كبش الفداء» ؟

في قضية خاشقجي .. من «كبش الفداء» ؟

بعد مضي شهر على اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول التركية، ورغم الاعتراف السعودي المتأخر بوقوع الجريمة، فمازالت هناك أسئلة يجب على الرياض ان تقدم إجابات عنها لتركيا وللعالم، الذي لا يصدق الروايات السعودية المتناقضة، وتلك الروايات المسرحية الهزلية التي تقدمها.
من الأسئلة المهمة في هذه الجريمة، من سيكون كبش الفداء الذي ستقدمه السعودية للعالم؟ لقد أنكر السعوديون مرارا وأصروا، حين قالوا إنهم لا يعرفون شيئا عن اختفاء الصحفي جمال خاشقجي، لكن هذا الإنكار لم يصمد طويلا أمام عاصفة عاتية من التسريبات الأمنية التركية التي تشير إلى قتل خاشقجي وتقطيع جثته داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وحين تعاظمت الضغوط من كل جانب على المملكة لإرغامها على تقديم إجابات واضحة عن مصير خاشقجي، وأحاطت الشبهات بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بدأ البحث عن متهمين مفترضين في هرم القيادة السعودي قد يساعدون الرياض في تقديم تلك الإجابات التي يطلبها الرأي العام العالمي. وانتهى البحث إلى اسمين لديهما من المؤهلات والمواصفات ومن الصلات بولي العهد ما يجعلهما متهمين مثاليين ضمن الرواية السعودية التي تبرئ محمد بن سلمان من دم خاشقجي، وتوحي بأن بطانته سعت بسوء تقديرها للتقرب منه برأس الصحفي المغدور.
فما هي الحجج والقرائن والأوصاف التي جعلت من المستشار بالديوان الملكي سعود القحطاني وأحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات العامة السعودية، ؛ متهميْن نموذجيين في رواية سعودية لم تحظ بالتصديق الكافي على الساحة الدولية؟
«دليم..سعود القحطاني» فبعد أكثر من سنة على إشعال تويتر وقيادة ما تسمى عربيا كتائب الذباب الإلكتروني، وجد المستشار بالديوان الملكي السعودي نفسه مقصيا من دوائر صنع القرار والنفوذ. وحتى الحين لم يظهر أي ربط بين «دليم» سعود القحطاني واغتيال جمال خاشقجي، لكن إقالته أعادت إلى الواجهة إشرافه على إدارة حملة تكذيب مقتل الرجل والتهجم على كل من كان يثير هذه القضية. سعود القحطاني دخل المشهد السياسي من بوابة ولي العهد محمد بن سلمان حيث عمل معه مستشارا ويوصف بأنه يده وعقله وسمعه وبصره. وبمجرد اعتراف السعودية بمقتل خاشجي، أقيل سعود القحطاني من منصبه مستشارا بالديوان الملكي إلى جانب اللواء أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات.
لكن القحطاني ما يزال محافظا على مهامه فيما يسميه هو الأمن السيبراني وما يوصف على نطاق واسع بإدارة حملات الذباب الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد مرور شهر يتفنن ويتميز الخطاب السعودي الرسمي بالارتباك والتلعثم تجاه قضية جمال خاشقجي، وكانت التصريحات النادرةُ تدور حول الإنكار.
خلال تلك الفترة، كانت حملات جيوش المغردين التي يقودها القحطاني تدفع بآلاف التغريدات مرة نفيا لقتل خاشقجي ومرة استهزاء بالضجة التي أثارها اختفاؤه في قنصلية بلاده. أكثر من ذلك، تفنّن الذباب الإلكتروني في إطلاق حملات مضادة ممنهجة اتهم فيها دولا وشخصيات وتيارات سياسية بأنها السبب في اختفاء خاشقجي، وطبعا لم ينس «قطر»..
آلاف الحسابات تصدت بلا هوادة للتقارير الإعلامية والتسريبات التركية، بل ولمجرّد التساؤل عن مصير خاشقجي. وقد أطلق الذباب وسوما تتماهى مع الرواية السعودية وتكيل الشتائم لقطر وقناة الجزيرة وتركيا وتعتبرها ضالعة مع واشنطن بوست ونيويورك تايمز، والمنظمات والهيئات الإنسانية في مؤامرة تستهدف صورة السعودية.
إذن فالقحطاني لديه من المقومات ما يجعله متهما نموذجيا في القضية. وقد ذكرت «واشنطن بوست» أن جمال خاشقجي أخبر أصدقاءه خلال الأشهر القليلة التي سبقت مقتله بأنه تلقى مكالمات تهدف -على ما يبدو- إلى استدراجه إلى السعودية لملاقاة مصير غامض. ولم يكن محدثه في تلك المكالمات سوى سعود القحطاني الذي دعا خاشقجي -حسب رواية الصحيفة الأميركية- إلى إنهاء منفاه الاختياري في الولايات المتحدة والعودة إلى بلاده، ووعده بالعودة الآمنة وحتى إمكانية الحصول على وظيفة مع ولي العهد.
وأضافت الصحيفة أن خاشقجي أخبر أصدقاءه بأنه لا يثق في العرض أو في ناقله القحطاني، واصفا إياه بأنه رجل زئبقي ينفذ سياسات محمد بن سلمان. وأشارت الصحيفة إلى أن القحطاني ذا الأربعين عاما قد يكون شخصية غير معروفة جيدا في الغرب، لكنه يعرف في المنطقة بأنه يكاد يكون المسؤول السعودي الأكثر نفوذا في حاشية محمد بن سلمان.
وفي حوار خاص أجرته معه مجلة نيوزويك الأميركية قبل مقتله وتم نشره قبل أيّام، وصف خاشقجي سعود القحطاني وتركي آل الشيخ -وهو أيضا مستشار بالديوان الملكي- بأنهما «بلطجيان». وأضاف أن «الناس يخافونهما.. إذا تحديتهما فقد ينتهي الأمر بك في السجن، وهذا حصل». ووصف خاشقجي القحطاني أيضا بأنه «أهم رجل في الإعلام» بالرياض، مشيرا إلى أنه يسيطر على أنشطة العلاقات العامة التابعة للحكومة. وأعاد مغردون خلال الأيام القليلة التي أعقبت اختفاء خاشقجي، نشر ما اعتبروه دليل إدانة للقحطاني والنظام السعودي، وهو عبارة عن تغريدات كتبها القحطاني في العام الماضي. ويقول «دليم» سعود القحطاني في إحدى تلك التغريدات تحت وسم «القائمة السوداء» إنه في فتح مكة «أمر الرسول في نفر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة».
ويقول في تغريدة أخرى يرد بها على المعارض السعودي سعد الفقيه المقيم في لندن «تخسى.. وملف الاغتيال تم فتحه من جديد.. ترقب.. كشف حساب الخونة». وقد لاحظ ناشطون أن هذه التغريدة حُذفت مؤخرا من حساب القحطاني.
وفي تعليقات لصحيفة «نيويورك تايمز»، قال خاشقجي إن القحطاني استفاد من إتقانه للتعامل مع وسائل الإعلام الاجتماعي ومع التكنولوجيا لقيادة «جيش قزم» على الإنترنت، وعرض صورة للقوة السعودية في وقت تتورط فيه المملكة في نزاعات إقليمية مع إيران وقطر وحرب مكلفة في اليمن.
الاسم الثاني المحتمل تقديمه ككبش فداء في قضية خاشقجي، هو اللواء أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات السعودية، فقد تحدثت الصحافة الأميركية عن مؤهلات عسيري ليكون «كبش فداء» محتملا، قبل يومين من إعلان السعودية اعترافا رسميا بوفاة خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بسبب شجار واشتباك بالأيدي، وما أعقب ذلك من أوامر ملكية بإقالة عسيري والقحطاني.
عسيري عُين نائبا لرئيس الاستخبارات السعودية عام 2017 وصار مقربا من محمد بن سلمان وقالت واشنطن بوست -نقلا عن مسؤولين أميركيين- إن عسيري كان يخطط لإنشاء فريق خاص لتنفيذ عمليات سرية، ونقلت أيضا عن مصدر مطلع على تقارير مخابرات غربية أنه اقترح مرات عدة على محمد بن سلمان اتخاذ إجراءات بحق خاشقجي وآخرين. وقالت نيويورك تايمز إن اللواء عسيري -الذي كان متحدثا باسم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن- قريب بما يكفي من ولي العهد، ولديه سلطة واسعة تخوله إصدار أوامر إلى ضباط أقل رتبة بتنفيذ مهمة مماثلة. ونقلت الصحيفة عن مصادر -قبل صدور الاعتراف السعودي الرسمي- أنها تتوقع أن تقول السعودية إن عسيري تلقى إذنا شفهيا من ولي العهد بإلقاء القبض على خاشقجي من أجل استجوابه في السعودية، وأنه ربما أساء فهم توجيهات الأمير أو تجاوز حدود ذلك الإذن وقتل خاشقجي.
«وبالرغم من أن القصد من اتهام أحمد عسيري وسعود القحطاني تبرئة ساحة ولي العهد السعودي وفقا لسياسيين ومعلقين في الولايات المتحدة وغيرها، ورغم كونهما مرشحين مثاليين لحمل أوزار القضية، فإن تسميتهما ضمن الرواية السعودية قد لا تخدم الهدف المنشود، إذ من الصعب تصور أنهما قد يفعلان شيئا دون مباركة ولي العهد.. الذي يبدو ان قتل خاشقجي بهذه الطريقة البشعة كان رسالة منه للمعارضين»!
أخيرا.. وليس آخرا.. يمتلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، «أدلة قوية» على أن جريمة خاشقجي هي «عملية مدبر لها وليست صدفة».
وترقبوا عما ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة..

بقلم : عبدالله غانم البنعلي المهندي - مدير التحرير

عبدالله المهندي