كتاب وأراء

نزار عابدين .. ذكريات قديمة.. وخواطر متأخرة

عندما كنا في الابتدائية، كان مدير المدرسة يجمعـنا في الثاني من نوفمبر، ويكلف أحد المعلميـن بإلقاء كلمة عن وعـد بلفور، ورسـخ في أذهاننا منذ تلـك الأيام البعيدة أنه وعد ممن لا يملك لمن لا يسـتحق، ولم نكن نفهم من هو بلفور، وما وعده ولمن، ولكننا تشبعنا باستنكار هذا الوعد الذي كان أساس نكبتنا في فـلسطين عام 1948، وكانـوا يأتـون بالفـلاحيـن من قراهـم بالشـاحنات ليشـاركـوا في مـظاهـرات اسـتنكار وعد بلفـور، ويصعـد شـاب إلى الأعـلى ويصرخ «فليسـقط وعد بلفور» فيـرد الفلاحون بعده «فليسقط واحد من فوق». لم يكونوا أفضل منا نحن تلاميذ الابتدائية، ولكنهم كانوا يعبؤونهم ويعبؤوننا عاطفياً على الأقل لاستنكار هذا الوعد المشؤوم.
مرت قبل أيام الذكرى 101 لوعد بلفورعام 1917، يا ألـله، لقد تجاوز عمره قرناً، يا ألـلـه كم تغيرت الأمور خلال هذه السـنوات. مرت الذكرى ولم أقرأ لحسـن الحظ إلا مقالات محدودة العدد جداً، ولماذا يكتب الكتاب؟ ولمـن؟ لم نعـد بحاجة إلى تذكيـر الناس بالوعـد، ولا بـما جر الوعـد عـلى العرب عامة والفلسطينيين خاصة، حتى ذكرى النكبة في 1948 لم تعد تشغل أحداً.
جرت تحت الجسر مياه كثيرة كما يقولون، ولم نعد نقول «دولة العصابات الصهيونية» ولا «الكيان الصهيوني» ولا يسميها أحد «دويلة» بل صارت إسرائيل التي عرضنا عليها سلاماً دائماً مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967 فضربت عرض الحائط بما سمي «مبادرة السلام العربية». وتساءلنا ونتسـاءل: لقد أعـطى قـرار التـقسـيم لـليهـود في فلسـطين 55% من أرضها، وهـذا ظلـم وإجحـاف، ولكن إسـرائيـل استغلت قوتها العسكرية وحماية الغرب لها، واحتلت 23% من أراضي فلسـطين، وصار العرب الآن يتمـنون أن تنسـحب من 22% من فلسـطين، ومن هـضبة الجولان، فكيف سـامحناهـا بما احتلتـه بيـن عامي 1948 و1967؟
كيف سـنحيي ذكرى بلفور بعد عشـرين سـنة؟ وهل سـنحييها؟ بل هل سـنحيي ذكرى النكبة والهزيمة التي سـميناها نكسـة؟ ولماذا أذهب إلى المجهـول، لنفـترض أن إسـرائيل قـبلت مبادرة السـلام العربية المطروحة منذ 2002، ألا نقيم علاقـات سـلام وتعـاون معها ويرفرف علمها في سماء العواصم العربية؟ هل سنحيي ذكرى النكبة أم نحتفل مع أولاد عمنا بذكرى إنشاء دولتهم، ويرسـل إليهم الزعماء العـرب برقيات تهنئة؟ هل كان المتنبي يعني غيرنا حين قال قبل أكثر من ألف عام
ذلَّ من يغـبِـط الذليـلَ بعيشٍ ربَّ عيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ
من يهُنْ يسهل الهوانُ عليه ما لجُـرحٍ بميِّـتٍ إيـلام
لقد وصف سبحانه المتقين بقوله «أذلـَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين» فكأننا عكسنا الآية.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين