كتاب وأراء

حبشي رشدي : ميركل ومعلمها التشيكي

كثيرون من المشاهير في العالم تصدر عنهم لمسات وفاء حانية لمعلميهم الذين أثروا في حياتهم، وأرسوا اللبنات الأولى في معارفهم، وكانت لهم بصماتهم في اختيارهم المسار أو المجال الذي نبغوا فيه وتألقت به مواهبهم، وفي هذا الصدد يحكى الكثير من القصص والحكايات عن معلمين زرعوا العطاء وحصدوا سخاء الوفاء.
المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل التي أعلنت مؤخرا أنها لن تجدد ترشحها لمنصب المستشارية، وأن الفترة الحالية ستكون الأخيرة لها في هذا المنصب، بعد أن ظلت في سدة الحكم سنوات طوالا، ومع ذلك لم تشغلها أعباء المنصب عن الوفاء لأحد معلميها الذي أثر في شخصيتها وتكوينها المعرفي، حتى إن البعض كان يتساءل: ما هو سر زيارات ميركل لأستاذ جامعي متقاعد في براغ بكل زياراتها الرسمية والخاصة، ليتبينوا تاليا أنه كان أستاذها الجامعي خلال دراستها في براغ في سنوات شبابها الغض، ويصف هذا البروفيسور الذي تجاوز التسعين من عمره ميركل بأنها كانت مجتهدة للغاية ودقيقة للغاية، ولم تتغير على مدار حياتها كلها وأنها كانت فيزيائية وهو كيميائي، ومن ثم كان كل منهما يكمل الآخر، وظل وفاء ميركل لأستاذها التشيكي محل إعجاب كل من يعرف هذه الحكاية، فما أجمل مثل هذا الوفاء العظيم من سيدة غيرت وجوه الحياة في ألمانيا، وقادت دفة ازدهار اقتصادها بتمكن واقتدار.
يذكرني ذلك بأنه كان يدرسني اللغة العربية في المرحلة الثانوية شيخ ازهري جليل ومتفتح ومستنير يدعى الشيخ بخيت الذي كان لا يتخلى عن زيه الأزهري التقليدي «جبة وقفطان»، فظل الوحيد بين معلمي المدرسة المعروف بزيه المختلف عنهم جميعا، فضلا عن حرصه على الضبط والربط داخل الفصل وخارجه، ولا تسمع منه إلا لغة الضاد بنحوها وصرفها في معاملات الحياة كافة، فهو يأنف العامية ويقاطعها ولا يستسيغ أن تحدثه بها، وحببتني طريقته بالتدريس في اللغة العربية، حتى إنني لم أكن بحاجة إلى وقت طويل لمراجعة دروسه التي يشرحها بتمكن جميل وعبقري، وبخاصة شرحه لكتاب مقرر علينا وقتئذ وهو: «عبقرية الصديق» من تأليف عباس محمود العقاد، ولهذا ظل وفائي لهذا المعلم الجليل الذي أيضا كان صديقا للوالد، حتى بعد انتقالي من القاهرة إلى الدوحة بعد مطلع الثمانينات، ولم تشغلني مشاغل الحياة عن السؤال عنه ومقابلته كلما كانت الفرصة تسمح بذلك، على الأقل لأنني مدين له باختياري وجهة الصحافة والكتابة، فهو من تنبأ لي بذلك مبكرا، ولم يحل دون هذه اللقاءات إلا رحيله عن دنيانا وهو في عمر الخامسة والثمانين.
المعلمون المخلصون في أداء رسالتهم يؤثرون في حياتنا ومستقبلنا دون أن ندري، انهم على الاقل يكونون اول مرشدين أكاديميين لنا يدلوننا على أفضل المسارات التي تليق بكل منا في حياتنا الدراسية، ويفتحون لنا نوافذ المعارف لتنشط مداركنا في التحصيل والربط بين شتات ما نتعلمه.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي