كتاب وأراء

أنـثـى .. لا نسوية إعادة الدائرة إلى مجالها المُغلق

رشا عمران
من أكثر الأشياء التي تسعدني كشاعرة هو عدد القارئات اللواتي يرسلن لي رسائل يتحدثن فيها عن ملامسة نصوصي لهن، وتعبيرها عن حالات يشعرن بها ولا يمتلكن القدرة أو الجرأة أحيانا على البوح بها أو التصريح عنها، ومما يثير دهشتي دائما في هذا الموضوع، أن القارئات هن من أجيال عمرية مختلفة، ومن مجتمعات مختلفة، ثمة قراء ذكور أيضا يرسلون لي ويتابعون ما أكتب، ويعتبرون أن ما أكتب عنه يلامسهم أيضا، رغم أنني أكتب عن النساء الوحيدات في عزلتهن النفسية والجسدية والاجتماعية، لكن يبدو أن العزلة النفسية أصبحت هي ثيمة عصرنا الحالي، مع كل ما يحدث في العالم من كوارث سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية.
لم أعتبر نفسي يوما كاتبة نسوية أو فيمينيست، وبالعموم لا أفضل الفيمينيست في الكتابة الشعرية، أظن أنها كحركة اجتماعية وسياسية قادرة أن تقدم للنساء وحقوقهن أكثر بكثير مما يقدمه الفيمينيست الأدبي، الشعري والروائي، وأشعر أحيانا أن بعض الكتابات تتبنى عنوان (النسوية) لضمان التسويق، وبعضها يتبنى العنوان ذاته لمجرد أن كاتباته يشتمن الرجال، مما يضيع الفرصة على الكتابات النسوية ذات المنهج البحثي العلمي، الذي يهدف إلى إعادة الأنثى إلى دورها الطبيعي في الحياة، بوصفها ندا وشريكا للرجل في كل شيء، ويعطي الفرصة، في مقلب آخر، لمعارضي الحركة الفيمينستية، إلى اتهامها باللامنهجية وتحولها إلى حركة شكاءة وشتامة للرجل، وبالتالي إعادة الدائرة إلى مجالها المغلق، إلى حيث اعتبار الرجل هو السيد، الظالم، والذي يمنع عن المرأة حقوقها، وإلى حيث إعطاء الشرعية (النسائية) والمجتمعية للرجل ليتسيد الحياة.
ثمة نوع من الكتابة الأدبية (النسائية) ينحصر في إطار الشكوى من الرجل الحبيب الخائن الغادر المتخلي، ونوع آخر يضع الرجال كلهم في سلة واحدة، وكأنهم جنس له نفس الصفات والجينات والطبائع، الأمثلة العربية في الشعر والرواية كثيرة جدا، وكلها أمثلة توضع تحت اسم الكتابة النسوية، أو الفيمينسيت، وهو فهم قاصر جدا لمفهومي الكتابة والنسوية، معا، وخلط مقيت بين مصطلحي (الكتابة النسوية) كمصطلح بحثي وعلمي و(الكتابة النسائية) الجندرية التي تستخدم في القراءات النقدية للنص الأدبي، لتمييز ما تكتبه المرأة عما يكتبه الرجل، ورغم أنه في عالم الإبداع الأدبي لا يجوز هذا التمييز والفصل بين المرأة والرجل، ولكن يبقى هناك معالم لكتابة الأنثى في اللغة المستخدمة وفي الخيال وفي المواضيع، خصوصا الشعرية، تختلف تماما عن تلك التي لدى الكاتب الرجل، وهو شيء مفيد بالمناسبة وصحي، ويتيح للكتابة الأدبية التنوع والتجريب، والدخول في عوالم كان مسكوتا عنها سابقا، وهو ما استطاعت المرأة الكاتبة، العربية بالتحديد، الوصول إليه أخيرا، بعد سنوات طويلة من التخفي والاختباء، لأسباب عديدة تحتاج بحثا طويلا لتحليلها وتفنيدها.
من تجربتي الشخصية في الكتابة الشعرية والأدبية عموما، انتبهت إلى أنه كلما كانت الكتابة تبدو أنها شخصية وذاتية وصلت إلى عدد أكبر من القراء ولامست شيئا ما في دواخلهم، ولكي لا يحدث خلط في المفاهيم أيضا، الكتابة الذاتية لا تعني البوح، بل اختيار ثيمة إنسانية ما وتناولها من منطلق التجربة الشخصية، فالعزلة مفهوم جمعي، خصوصا في زمننا الحالي، يشعر به الجميع، نساء ورجالا، وحيدين أم محاطين بعائلات وأصدقاء، ثمة غربة في الروح أفرزتها منتجات الحضارة، وسياسات القوة والسيطرة والتحكم الاقتصادي، والحروب وتجارة السلاح والدين، غربة أصابت الجميع وخلفت عزلة مريرة، حين يستطيع الكاتب أن يعري نفسه لاكتشاف إلى أي عمق لديه وصلت هذه العزلة والكتابة عنها فهو استطاع التعبير عما يحدث لدى عدد كبير من البشر، وتفاعل مع كتابته عدد كبير من القراء والقارئات من مختلف الأعمار والجنسيات، وهنا تحديدا، يمكننا القول إن الكتابة تجاوزت الجندر نحو الإنسانية بشكل عام.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران