كتاب وأراء

عـــودة إلـى الأغــــانــي


كاتب وإعلامي سوري
ولا أعني بالأغاني كتاب «الأغاني» الفريد لمؤلفه العبقري أبي الفرج الأصفهاني، بل أعني الأغاني التي نسمعها، وربما لا يعرفها كثيرون، لأنهم انشغلوا بالألحان الراقصة (النقازي) وملأت أسماعهم الكلمات التافهة، وخربت أذواقهم الألحان التي لا تمتّ إلى الإبداع بصلة، والأمثلة أكثر من أن تحصى.
قالوا: أعذب الشعر أكذبه، وهذا غير صحيح، فالشعر العذب يبقى عذباً، ويزيد عذوبة إذا كان صادقاً، ما رأيكم بشعر مجنون ليلى وجميل بثينة وكثيِّر عزة وقيس بن ذريح وذي الرمة والعباس بن الأحنف، وكلهم من مشاهير الشعراء العشاق، وما رأيكم بأشعار أبي العلاء المعري والمتنبي وأبي فراس وأبي تمام وعشرات غيرهم.
ولم يعرف العرب الموسيقى الصِرفة، بل كانت الموسيقى عندهم مرتبطة بالغناء دائماً، بل كان المغنون الأوائل مثل طـُويس ومعبد وابن سريج وسلّامة وعزة الميلاء يغنون دون موسيقى، فالعرب إذن يطربون للكلمة قبل اللحن، ويهزهم الصوت الجميل حتى دون أن تصاحبه الموسيقى.
وكان المغنون العرب في زمن الأصفهاني (النصف الأول من القرن الرابع الهجري) وما قبله يغنون الأشعار كلها، حتى إنهم قد يغنون شعر الرثاء أحياناً، وكانوا بالطبع لا يغنون إلا الأشعار العربية، فلم تكن ألسنة الناس قد فسدت، ولم تكن العاميات قد فرضت سيطرتها المطلقة، أما الآن فإن غناء الحب (وهو في معظم الأحيان حب مريض) يسيطر على الغناء، تاركاً فسحة صغيرة للأغاني الوطنية والدينية، وهو في الغالبية العظمى من الأغاني بالعاميات العربية المنتـشرة، ومع ذلك فإننا نتمايل طرباً عندما نسـمع شـعراً فـصيحاً يغـنى، وهل ننسى الأطلال والجندول وثورة الشـك وقارئة الفـنجان والفـيروزيات بالفصحى والكثـير الكثيـر من القصائد الملحنة المغناة، واستمعت قبل أيام إلى موشح سمعته عشرات المرات من قبل هو «جادك الغيث» من شعر لسان الدين بن الخطيب وألحان مجدي العقيلي، وغناه كثيرون منهم صباح فخري وفيروز، استمعوا إليه واحكموا.
وليس كل الشعر يصلح للغناء، ولذلك لا نجد المغنين قديماً غنوا شيئاً من شعر المتنبي أو أبي تمام أو بشار بن برد أو النابغة أو زهير بن أبي سلمى أو الفرزدق أو غيرهم من فحول الشعراء، بينما أكثروا من غناء أشعار لشعراء أقل منهم، لأنها كانت سهلة، وإليكم هذا المثال: قال بشار بن برد:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفـاز بـالطـيـبات الفـاتـك اللـهـِـجُ
وعمد تلميذ بشار وتابعه سلـْم الخاسر إلى المعنى، فأخذه وصاغه صياغة جديدة:
من راقب الناس مات همّاً
وفــاز بـالـلــذة الجـســـورُ
وصار الشطر الأول مثلاً، وأدرك بشار بحسه النقدي الرفيع خطورة ما فعله سلـْم، فقال: خمَد والله بيتنا، وسار بين الناس بيت سلم، وهذه حكاية أخرى طويلة.
بشارة الخوري (الأخطل الصغير) شاعر كبير مبدع متألق، وكان صديقاً للفنانين ومنهم لحن محمد عبد الوهاب وغنى من أشعار الأخطل الصغير قصائد كثيرة منها «الهوى والشباب» و«الصبا والجمال» و«جفنه علم الغزل» وهو صاحب التجربة الفريدة الرائعة «يا ورد مين يشتريك» حين مزج العامية بالفصحى، وليت شعراء الأغاني وكتابها تابعوا هذا الطريق، ولو أنهم فعلوا لكان لدينا مئات الأغنيات الراقية.
في ستينات القرن الماضي كنا نتلهف على سماع الأغنيات الجديدة، وسمعنا بأن نور الهدى ستغني قصيدة من شعر الأخطل الصغير وألحان رياض السنباطي، وتوقعنا أن نسمع تحفة فنية، وخاب أملنا بسبب صوت المغنية الذي لم يكن مؤهلاً لأداء اللحن، وبسبب الفرقة الموسيقية التي أخفقت في إظهار جمالياته؟ كان اسم الأغنية «إلى الحبيب» ومطلعها:
نَـم، إن قـلبي فوق مهـدِك كلـّما
ذُكر الهوى صلّى عليك وسلّما
لا نعتب على الشاعر لأنه لا يجوز القول «صلى عليه وسلم» إلا حين يذكر رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم، لأن الشاعر مسيحي وكذلك المغنية (واسمها الأصلي الكساندرا بدران) ولكننا نعتب على الملحن ومن استشارهم لأنه قبل تلحين هذا، ويقول الشاعر في نهاية القصيدة:
جـاثٍ عـلى قدم السـريـر وعـينُه
عينُ المصوّر حاولت أن ترسما
فأصاب صدرَك صدرُه لمّا انحنى
وتـكهـرب الفـمّـان فـاتـّحـدا فـمـا
تكهرب اصطلاح حديث لكنه معبر، والفم (بفتح الفاء والميم المخففة) الثغر، ويجوز تشديد الميم في الشعر. هذا شعر جميل، لكنه لا يصلح للغناء، لأن شعر الغناء في عصرنا الحديث يجب أن يمتاز بالبساطة.
أنشد محمد مهدي الجواهري لدمشق قصيدة تعيدنا إلى أيام الفحول، سمّاها أو سمّوها «جبهة المجد» مطلعها:
شـممتُ تُربَك لا زُلفى ولا ملـَقا
وسرت قصدَكِ لا خِبّاً ولا مذِقا
وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي
حتى اتّهمت عليك العين والحدَقا
وسرتُ قصدَكِ لا كالمشتهي بلداً
لكن كمَن يتشهّى وجه من عشقا
ولاحظوا روعة الجواهـري في اختيار لفظة «يتـشهّى» وكان بإمكانه أن يقول «يتمنى» ولكن الكلمة لن تعطي قوة الدفع والعاطفة كالأولى. ما هذا يا أبا فرات؟ كأنني أقرأ شعر المتنبي أو بشـار بن برد. وأرادوها ملحنة مغناة، فرفـض الملحنون الذين عرضت عليهم تلحينها، ومنهم محمد المـوجي الذي تجـرأ فلحّـن «رسـالة من تحت الماء» و«قـارئة الفـنجان» بعد أن اعتذر الآخرون ومنهم بليغ حمدي، فعهدوا بالقصيدة إلى المطرب والملحن والمؤلف الموسيقي صفوان بهلوان، فلحنها بما يناسبها، لكنه لم يكن لحناً متميزاً عبقرياً كألحان محمد عبد الوهاب أو السنباطي أو الموجي، وغنتها صاحبة أجمل وأكمل صوت عربي آنذاك ميادة الحناوي، فلم يستسغ الجمهور العريض الأغنية، ولا استساغها هواة الشعر والطرب الأصيل.
وليس الذنب ذنب صفوان وميادة، فالقصيدة نفسها ومنذ مطلعها تنفّر السامع والقارئ، الزُلفى: التقرب، و«تزلف إليه» تقرب إليه، والملـَق: التودد والمداراة حتى لو بالكذب والنفاق، قال عليه الصلاة والسلام «ليس من خلـُق المؤمن الملق» والخِبّ الخداع والخبث والغش، والخِبّ: المخادع، قال عمر رضي الله عنه: لست بالخِبّ، والخبُّ لا يخدعني. والمذِق: الملول، ومذَق الودّ: لم يخلصه، والحَدَق جمع حدَقة وهي السواد المستدير وسط العين، ولا داعي لهذا التفصيل، فالعين تشمل الحدقة، ولكنه اضطرته القافية، والبصيرة: قوة بصر القلب، وهي الفطنة، وقد اشتق منها الجواهري الباصرة، أو هو أخذ اسم الفاعل المؤنث من فعل «بصر» بمعنى رأى، بعد هذا بالـلـه عليك يا أبا فرات، كم من القراء والمستمعين في أواخر القرن العشرين يعرف معاني هذه الكلمات ليفهم الشعر ويتذوقه؟
ولا بد من تغيير بعض الكلمات حتى في العامية لتكون الأغنية أجمل. أغنية «انت عمري» كانت «شوّقوني عنيك» واستثقلت أم كلثوم كلمة «شوقوني» فغيرها المؤلف أحمد شفيق كامل إلى «رجعوني» قصيدة قارئة الفنجان تغيرت فيها كلمات كثيرة بمعرفة نزار قباني وموافقته، وكان هذا لصالح الأغنية، منها مثلاً قول الشاعر
يا ولدي قد مات شهيداً من مات على دين المحبوب
فصارت بمعرفته «من مات فداءً للمحبوب» وحتى في هذه لا بدّ من إعادة النظر.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين