كتاب وأراء

د. سعاد درير : عَيْن أَقْسَمَتْ أَنْ تَسْرِقَ

جَميل حَدّ الرَّوعة أن يَكون للتسامح يَومٌ عالمي يُكَرَّم فيه القلبُ الْمَيَّال إلى غَرس بُذور الْمَحَبَّة لِقَطْف وُرود الرحمة والاغتسال تحت ظِلال جنة على الأرض..
التَّسامُح!
ما أحلى أن يَكون الواحدُ مِنَّا متسامحاً، وما أَمَرَّ أن يَكون قلبُ الواحد مِنَّا حَجَراً، مع أنَّ مِنَ الحَجَر ما هو أَقَلّ قَسْوَة مِنَ البَشَر، بل مِنَ الحَجَر «ما يَتَفَجَّر منه الأنهار»، ومنها «ما يَشَّقَّق فيَخرج منه الماء»، ومنها لـ «ما يَهبط مِنْ خَشْيَة الله» كما جاء في الذِّكْرِ الحكيم..
لكنْ اُنْظُرْ إلى اسمِه «الغَفُور»، وانْظُرْ إلى اسمِه «الرَّحِيم»!
دَعْوَةٌ مفتوحة إلى التسامح يُجَسِّدُها اسمُه جَلَّ جلاله «الغَفور» أو اسمُه الأَعْلَى «الرحيم»، فَأَنْعِمْ به مِن تَكريم وأَكْرِمْ به مِن تعظيم.
ما كان مِن أسمائه الحُسْنَى «الغَفور» و«الرَّحيم» إلاَّ لِيُوَجِّهَنا الخالق جَلَّ وعَلاَ إلى أَسْمَى ما في «غ.ف.ر» و«ر.ح.م» مِنْ مَعْنَى.. إنه المعنى الحافِل بالحُبّ والمودة والإحسان وغيرها مِن تلك الركائز التي يَقوم عليها الإنسان..
كُلُّ مِنَّا- نَحْنُ صُنَّاع فَنّ الحِفاظ على صَرْح اللغة العربية- يَعرف أنَّ اسْمَيْ «غفور» و«رحيم» لا يَخرجان عن صِيغة مُبَالَغَة حَرِيٌّ بِنا أن نَفْهَمَ أنَّ القَصْدَ من ورائها الكَثْرَةُ وحُدوث الشيء بقوة..
صيغة المبالغة (غفور) تَعمل عَمَلَ اسم الفاعل (غافر)، لكنَّ ما تُضيفه صيغةُ المبالغة هو تأكيد الكثرة.. فأن يَكون الله عز وجل غافراً معناه أنه يَغفر الذنبَ، لكنْ أن نَرتقي باسم الفاعل «غافر» إلى مقام صيغة المبالغة «غفور»، فهذا معناه أن المولى جَلَّ شأنه لا يَغفر وكفى، إنما هو يَغفر بكثرة، يَغفر مِراراً، يَغفر بِلا حدود، يَغفر إلى ما لا نهاية..
ولهذا فإنَّ اسمَه الله «الغفور» يَخْتَزِنُ ويَخْتَزِلُ كُلَّ معاني التَّسامح، إنه التسامح الذي ما أكثر أن يَغيبَ عن الإنسان، فإذا به (الإنسان) يَقْسُو، بينما مولاكَ عَطْفُه يَملأ القلبَ قَدْرَ ما يَمتلئ به بحرُ العواطف، وحنانُه يَتَمَدَّد قَدْرَ ما يُغَطِّي سماءَ اللطائف..
الله جلّ جلاله يَغفر ويَغفر، تَراه يَغفر قَدْرَ ما تَعظم زَلاَّتُكَ، بينما هذا العبدُ، الضعيف، يَمُدُّ في حبل سيئاته، ولا يُحْصِي ذُنوبَه، تَراه يضم إليها ويُضيف..
ما يُقال عن «الغفور» يُقال عن «الرحيم»، فما سُمِّيَ جلَّ وعَلا بـ «الرحيم» إلا لكثرة رحمته، رحمته التي تَعظم وتَتمدَّد، رحمته تلك لا يَتوقف سقوطُ مطرها ولا يَجِفُّ فيضُ نبعها ولا يَتَعَذَّرُ جريانها جريان النهر الواعِد بالربيع..
إنَّ لَنا في شأن أسماء الله الحُسنى ما يُعَلِّمُنا درساً في التسامح، وفي ذلك رسالة يُمَرِّرُها الرحمان لِيَسْتَجِيبَ لِنِدائها الإنسان ويَعترف بها في كل زمن ومكان..
التسامح نَبتة وَفِية للإنسان، فما أَجْمَلَ أن نَحرص كُلَّ الحِرص على أن تَينع النبتةُ وتَخْضَرَّ وتُورِقَ وتُزْهِرَ وتُثْمِرَ، ما أجملَ أن نَرأفَ ونَعطفَ ونَرحمَ ونَغفرَ حتى لا تَمتدَّ إلى نبتة التسامح تلك اليدُ الحالفة أن تَقْتَلِعَ وَرْدَ القلب، ما أجملَ أن نَتَحابّ حتى لا تَقَعَ عليها عَيْن أَقْسَمَتْ أَنْ تَسْرِقَ ضَوْءَ الرحمة مِنْ عُيوننا.
نافِذَةُ الرُّوح:
- «أَعِدْ إِلَيَّ حقيبةَ أحزاني إنْ كُنْتَ سَتَأْخُذُ مِن سمائي مِصباحَ الحُبّ».
- «جُنونٌ ألاَّ نَحلبَ غيمةَ الذِّكرى إلاَّ لِنُرَبِّيَ الحقدَ».
- «في مَنْفي الأيام، لا مكانَ لِمَنْ يُعَوِّلُ على فَراشة لِتَعِدَ بالضوء».
- «حطبُ الصبر يُطيلُ عُمرَ مدفأةِ الحُبّ».
- «ما أَقْسَى بودلير وَهُوَ يَأخذ معه الأزهار ويَترك لنا الشَّرَّ كُلَّه!».
- «تاريخُنا الحافِل بالخَسائر يَحتاج إلى مكنسة كهربائية للتخفيف مِن آثار الخيبة».
-«رُجُولَةٌ هارِبَة مِن قَميصها تِلْكَ التي تُؤَذِّن بالسَّلام لِذِئابٍ لا تَنَام».
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير