كتاب وأراء

أميرنا القدوة في الخلق والقيادة حضر عزاء النجوم الثلاثة

أميرنا القدوة في الخلق والقيادة حضر عزاء النجوم الثلاثة

بوسعود.. «يـــوم آخر.. وأخير»
بلال.. «حضر بقوة وغادر بهدوء»
الكابتن عبيد.. فقيد الملعب والمجلس

في غضون ثلاثة أسابيع فقدت الساحة القطرية ثلاثة من أبرز نجومها وخيرة فرسانها في مجالي الفن والرياضة، ليتركوا فراغاً كبيراً خلفهم، بسبب المكانة المرموقة والمسيرة المميزة التي بدأت وانتهت بنفس العطاء.. وذات الوفاء.. فقد عرف عنهم الحرص على خدمة البلد من خلال مجالاتهم ومن مختلف مواقعهم.
يوم 14 أكتوبر 2018 أسدلت الستارة على مسيرة «الإنسان» والفنان القطري الكبير عبدالعزيز جاسم نجم الدراما والمسرح، والذي طالما قدّم الكثير من الأعمال الوطنية والاجتماعية الهادفة، ملتزماً بالخط الذي رسمه لنفسه، وهو تقديم عروض مميزة تتلاءم مع هوية المجتمع وضوابطه، وآخرها كانت المسرحية الوطنية «ديرة العز» والتي تصدى من خلالها للحملة الشرسة التي تتعرض لها قطر من دول الحصار، وذلك عبر تقديم مادة فنية بروح وطنية، لا تخلو من الكوميديا والنقد الساخر المقبول، فشهدت حضورا من الجمهور وتألقا كبيرا من أبطال العمل، وكانت بمثابة إعلان عودة الحياة للمسرح بعد انقطاع سنوات.
كنت صغيرا.. دون العاشرة.. ومثل غيري من الأطفال ننتظر رمضان من العام للعام.. لاحظنا في هذا الشهر الفضيل بهجة وسرورا وحالة مختلفة لدى المجتمع بشكل عام.. رصدنا مظاهر خاصة به من إعداد وطهي أنواع معينة من الأكل وتناولها في أوقات مختلفة عن باقي السنة وزيارات وفعاليات.
ولكن تبقى الشاشة وبرامجها ومسلسلاتها من أهم الطقوس الرمضانية، فقد كانت المطلوب الأول والجاذب الأكبر لكل الأسرة في وقت لا وجود فيه للتقنيات المتطورة ولا ذكر للأجهزة والبرامج الحديثة، فكان التليفزيون هو تويتر وانستقرام وسناب وواتساب.
وإذا كانت الشاشة حالة من الحالات الرمضانية، فإن المسلسل القطري «فايز التوش» كان يمثل ظاهرة فيه، ومتابعته من الطقوس الرمضانية المعتادة، لأنه كان يعكس جزءا من الواقع الاجتماعي ويستعرض جملة من المظاهر بعد أن يقدم لها المعالجة الدرامية والكوميدية، حتى برز اسمه كعمل ونجومه على مستوى الخليج، فكان سفيراً للتليفزيون القطري خارجياً وبمجموعة من المواهب الوطنية الصاعدة.
وكان أحد نجومه البارزين «مرزوق التوش» والذي أداه ببراعة الفنان الراحل عبدالعزيز جاسم، وشكّل مع رفيق دربه غانم السليطي ثنائيا يباهى بهما في الخليج، وخاصة بعد إن قدما معاً المسرحية الجماهيرية «عنتر وأبله».. فأصبح للدراما والمسرح مكان مميز على مستوى المنطقة، فبدأت القنوات والشركات الفنية الخليجية تحرص على وجود الفنان القطري ضمن أعمالها.
عبدالعزيز جاسم خاض تجربة احترافية خارجية، وأبلى بلاءً حسناً، وقدّم صورة مميزة عن الفنان القطري وقدرته على منافسة زملائه وخاصة من نجوم الساحة الكويتية حتى طلبه عملاق الكوميديا الخليجية عبدالحسين عبدالرضا للعمل معه في مسلسل التنديل 2008، وكان ذلك بمثابة تتويج لمسيرة (أبوسعود)، خاصة بعد سنوات من التألق اللافت، والحضور المؤثر، من جرح الزمن إلى حكم البشر
إلى «يوم آخر».. وظل على هذا التوهج حتى «اليوم الأخير».. وإعلان خبر الوفاة من تايلاند.. ليودعنا صاحب القلب الطيّب.. ومحبوب الجميع.
«حضر بقوة وغادر بهدوء»
لم تمضِ أيام على رحيل نجم الشاشة عبدالعزيز جاسم.. حتى فوجئنا بخبر رحيل أقوى رجل في آسيا ونجم ألعاب القوى القطرية السابق بلال سعد، وذلك من خلال تغريدة للسهم الذهبي ورفيق دربه في الملاعب طلال منصور واللذين تشاركا معاً في حصد الميداليات الذهبية وكان لهما حضور مدهش في دورات الألعاب الآسيوية والعربية.
بلال سعد كان عملاقا في الملعب، ولكنه صاحب قلب عطوف، وتميز بأخلاقه إلى جانب أدائه، فكان خير مثال للرياضي القطري في المحافل الخارجية.
يعتبر أحد الأسماء الذهبية لألعاب القوى القطرية نظير ما حققه من أرقام وإنجازات على الصعيدين العربي والقاري.. يرمي «جلته» لأبعد المسافات فتزيد «غلته» بأجمل الميداليات، حتى بات يعرف رياضياً بأقوى رجل في آسيا.
رحم الله النجم الخلوق بلال سعد.. حضر بقوة في الملاعب.. وغادر الدنيا بهدوء.
«الفقيد.. عبيد»
كان يتأهب لأداء صلاة الفجر في المسجد.. أتم وضوءه وبدأ يستعد للخروج من المنزل.. لكن فوجئ بألم مفاجئ انتهى بسكتة قلبية، وكان هذا المشهد هو الأخير في حياته، ومن مؤشرات «حسن الخاتمة».
فقدنا قبل أيام الشخصية الرياضية الشاملة «عبيد جمعة» بدأ لاعبا ثم مدربا وبعدها محللا يثري الشاشات والصفحات بخبرته العريضة وآرائه الجريئة.
برز اسمه كمدرب وطني في نهاية الثمانينيات وزادت شهرته خارجياً بعد أن نجح في الفوز مع السد ببطولة الأندية الآسيوية 1989 إثر فوزه على الرشيد العراقي في المباراة النهائية.. ثم استدعاه اتحاد كرة القدم للانضمام إلى الجهاز الفني للمنتخب الوطني مساعدا للمدرب البرازيلي دينوساني، وكان العنابي قاب قوسين أو أدنى من التأهل إلى نهائيات كأس العالم 1990 في إيطاليا، لكن الحظ ابتسم للإمارات في الثواني الأخيرة.. وبقدم منصور مفتاح الذي سجل في مرمى الصين ليقصيها من التأهل!
عبيد تاريخ حافل ومثله نادر وهو الخدمة المتواصلة من لاعب إلى مدرب إلى محلل.. يعمل بحب ووفاء، فكان محل تقدير من الجميع ورأيه مقبولا وإن كان قاسيا على أبنائه اللاعبين والإداريين، لأنهم يعلمون أنه لا يجامل وتهمه مصلحتهم في المقام الأول.
كان يشكل عبيد وزميله خليل الزياني الاسمين الفنيين الأثقل في برنامج المجلس، وذلك نظير خبرتهما الواسعة والمتراكمة لعقود في الملاعب والمدرجات وخلف الشاشات.. فعند تحليلهما يتوقف الكثيرون.. ويستمع المحللون.
آخر نقطة.. الموت حق، واللهم لا اعتراض على أقدارك.. ورحم الله النجوم الثلاثة وأسكنهم فسيح جناته.. ولابد من الإشارة إلى حدث لا نستغربه من صاحب القلب الكبير والقدوة في الخلق والعمل، وتعودنا وفاءه وتقديره لأبناء وطنه وما يقدمونه من أعمال في مختلف المجالات.
نعم لقد كان صاحب السمو أمير البلاد المفدى حاضرا في مجالس العزاء الثلاثة، يواسي أهالي المتوفين، ويجبر خاطرهم، مما كان له أكبر الأثر في نفوسهم.
نفخر بـ «تميم المجد» وحرصه على التواجد بين أبناء شعبه في الأفراح والأحزان، فهو يحبهم ويحبونه، وهذا دعاؤه الذي قاله ذات مرة في اجتماع القادة العرب.. وهو أمر متحقق بالكامل من قبل ومن بعد.
ونحمد الله أن قيّض لنا حاكماً بهذا التواضع والإنسانية، في الوقت الذي نرى فيه جيراننا من دول الحصار في مواقف تصعب على الحجر، فما بالك بالبشر، ومنها إن من يتهم بالقتل يجبر أهل المقتول أن يذهبوا إليه للسلام وتقبل العزاء!!
أما الحاكم الفعلي في الإمارة المارقة فهو لا يثق بشعبه ولا يمكن أن يشرب الماء أو القهوة من أحد منهم.. وكل ما صبّوا إليه فنجال.. أسقى به الأرض !!
وأخيراً..
الحمد لله على نعمة قطر..
بشعبها وقيادتها
بطيبتها وإرادتها
بكرامتها وسيادتها

- محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري