كتاب وأراء

جريمة لا يمحوها الزمن ولا تسقط بالتقادم

ربما كانت أشهر عملية تذويب لجسد معارض سياسي عرفتها المنطقة العربية هي تلك التي جرت بسوريا زمن دولة الوحدة بين مصر وسوريا وذهب ضحيتها الناشط الشيوعي فرج الله الحلو، وشكلت الحادثة جزءاً من الذاكرة السياسية البائسة للمنطقة العربية ووصمة عار في جبين دولة الوحدة التي قادها عبدالناصر وسهر على تنفيذ سياساتها عبدالحميد السراج في الإقليم الشمالي كما كانت تسمى سوريا في ذلك الوقت.
اليوم تستعيد الذاكرة تاريخ التذويب واستخدام الأسيد للتخلص من جثة شخصية إعلامية مرموقة بعد إعلان المدعي العام التركي أن جسد الراحل جمال خاشقجي تم التخلص منه بعد تقطيعه من خلال إذابته باستخدام مواد كيميائية.
ربما لم يدرك الذين قاموا بهذا الفعل شناعة ما أقدموا عليه لحظة تصفية الصحفي ولكن الأكيد أن أمثالهم من أدوات التنفيذ في الجرائم السياسية لا يعلمون أنهم بصدد تدشين حدث تاريخي مرعب سيكون منطلقاً لكل الباحثين في المجال السياسي للحديث عن قصة الرجل الذي تخلصت منه أجهزة رسمية في دولته قتلاً وتذويباً.
الحدث التاريخي ليس كما يتصور البعض أن يكون مرتبطاً بفعل مهم أو إنجاز مفيد للبشرية فالجميع لايزال يذكر إلى يوم الناس هذا قصة الصربي المتطرف الذي اغتال ولي عهد النمسا في يونيو 1914 متسبباً في اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكم من حدث يبدو عابراً أو عرضياً لدى مقترفيه يكون مدخلاً لتغييرات تاريخية وله آثار بعيدة المدى والأكيد أن الشاب محمد البوعزيزي عندما أحرق نفسه احتجاجاً لم يكن يعلم (ومات وهو لا يعلم) أن ما فعله قد فجر حراكاً ثورياً ممتداً من تونس إلى دول عربية كثيرة.
لقد دخل يوم 2 أكتوبر 2018 التاريخ باعتباره لحظة فارقة في الزمن السياسي الذي تعيشه المنطقة وفتح ملفات حارقة وكشف عن تجاوزات حقوقية وخطايا سياسية اقترفها نظام سياسي عربي اعتقد المسؤول الأول فيه وصاحب القرار الحقيقي في بلده أنه قادر على فعل ما يشاء واقتراف شتى الجرائم والتصرف برعونة سياسية دون محاسبة أو أن ينكشف أمره في العالم بأسره.
إن الحديث عن جريمة اغتيال جمال خاشقجي ومنحها كل هذه الأهمية ليس تقليلاً من شناعة مقتل طفل في اليمن أو تعذيب معتقل سياسي وليست تغطية لجرائم دول الاحتلال أو أنظمة الاستبداد ولكنها ككل الأحداث التاريخية يتوفر لها من التغطية الإعلامية والتوثيق والظروف السياسية والدولية ما يجعلها تتصدر المشهد وتكون لها من الارتدادات على الوضع العام في بلادها بما لا يُقارن مع غيرها من الأحداث المتتالية.
وقد يحرص الحاكم على تخليد ذكراه من خلال التماثيل أو الصور أو من خلال الشعراء المدّاحين والموالين، لكن التاريخ يأبى أن لا يحفظ له في الذاكرة سوى حدث أسود يرتبط بمسيرته وبشكل لا يمكن محوه مهما بذل من جهد أو أنفق من مال أو استجار بقوى دولية أو لوبيات نافذة. وقد ينجو المجرم السياسي بجريمته في بعض الأحيان ولا يجد طريقه نحو المحاكم الجنائية في الدنيا ولكنه سيكون مذنباً أمام محكمة التاريخ وسينال جزاءه أمام الديّان في يوم لا ينفع فيه جاه ولا سلطان.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي