كتاب وأراء

تجـديـد ذكرى العـمـيـد


ما الذي يدفع المؤسـسـات الثـقافية والإعلامية إلى إحياء ذكرى ولادة عـملاق فـكري أدبي في مثـل قامة طـه حسـين؟ هذا زمن التـفاهـة والرقص والغـناء المنحـط وانشـغال الناس بملذاتهم وألعـابهـم وما تضخه التلـيفـزيونـات من بـرامـج ومسـلسـلات تمجّـد التـفاهة، لا زمن عـملاق مثل طه حسين تحل في 15/11 ذكرى ميلاده الـ 129، إذ ولد في 15 نوفمبر 1889، وتوفي في 28/10/1973.
كان طه حسـين موسوعة متحركة، وكان – وهو الأعمى – أبعد نظراً من المبصرين. قال تعـالى في ســورة الحج «فإنهـا لا تعـمى الأبصار ولكن تعـمى الـقـلوب الـتي في الصدور».
درس الحضـارات والتاريخ الغربي والشرقي واللغات والفـلسـفات المختلفة وعـلم الاجتماع، وكانت شـهـادة الدكتوراة الأولى التي نالها من الجامعة المصرية «تجديد ذكرى أبي العلاء» وكأنه كان يرى في نـفسه امتداداً لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، وكما نالت أبا العـلاء سـهام التجريح والاتهـامات، نال طه حسـين نصيبه منها.
لم يعـش طه حسـين منعـزلاً في بـرج عاجي، بل وظـف إمكاناتـه في الصحافـة والإذاعـة والمحاضرات والندوات لـلقضايا الفكرية والنقدية والأدبـية والسياسية أيضاً، وهو صاحب المبدأ الشـهيـر «العلـم كالماء والهواء حق لكل إنسـان» ولعل من أصـدق ما قيل عـنه «إن الأدب العـربي سيؤرخ له بمرحلتين: ما قبل طه حسين وما بعده» والمهـم أنه أعمـل عـقله الجبار، ورفض التسـليم بما تقولـه الكتـب الصفراء وكأنه تـنزيل العزيز الحكيم.
وحين ألف كتابه المثير للجدل «في الشـعر الجاهلي» وعمل فيه بمبدأ ديكارت، وخلص فيه إلى أن كثيراً من الشعر الجاهلي منحول، وأنه كتب بعد الإسـلام ونسـب إلى الشـعراء الجاهليـيـن، تصدى له العـديد من عـلماء الفـلسـفة والـلغة، كما قاضاه عدد من علماء الأزهر، إلا أن المحكمة برأته لعدم ثبوت أنه قصـد برأيـه الإسـاءة المتعـمـدة لـلديـن أو لـلـقرآن.
لـقـد كان موقـفاً مشـرفاً للقـضاء المصري حين انتـصرت النيابـة لحريـة البحث العـلـمي، وميزت بين الإيمـان الديني وليد العاطـفة، وضـرورات البحث العلـمي التي تخضع للعقـل وحده.
دعا طه حسـين إلى نهضة أدبية، وعمل على الكتابة بأسـلوب سـهل واضح مع المحافظة عـلى اللغـة وقواعـدها، وأثارت آراؤه الكثـيـرين، ووجهـت له الاتهامات، ولم يُـلق بالاً إلى هـذه الثورة، ولا هـذه المعارضات القـوية، ولكنه اسـتمر في دعوته للـتجديـد والتحديـث، وأخذ على المحيطـين به ومن الأسـلاف من المفكريـن والأدباء طرقهم التـقـليدية في تدريس الأدب العربي، وضعف مستوى التدريس في الـمدارس، كما دعا إلى أهمية توضيح النصوص العربـية الأدبـيـة للـطلاب، وإعـداد المعلمين الذين يقومون بتدريس الـلغـة العربية والأدب، بالإضافة لاتباع المنهـج التجديدي، وعدم التـمسـك بالشـكل التقليدي في التدريس.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين