كتاب وأراء

التواطؤ بين المدوّن والمتلقي

تبدو مسألة الكتابة الشعرية على صفحات فيسبوك شائكة ومربكة ومحفزة بالوقت نفسه، إذ ثمة في مواقع التواصل نوع من التواطؤ بين صاحب الصفحة والعدد الكبير من مرتادي صفحته، سواء أكانوا أصدقاء أو متابعين، خصوصا هنا للكاتب أو الشاعر، يكتب صاحب الصفحة منشورا كما لو أنه يكتبه في دفتر مذكراته، يكتب يومياته وهواجسه وعواطفه ومشاعره، يكتب ويغلق شاشة الكمبيوتر أو الهاتف كما يغلق صفحات دفتر المذكرات، الفرق فقط أن المئات سيقرؤون ما كتب، وهم أيضا يتعاملون مع هذه الكتابة كما لو أنها كتابة سرية، يطلعون عليها ويغلقون الدفتر، ويتركون ملاحظاتهم ليخبروا صاحبها أنهم قرؤوا ما كتب، هذا التواطؤ الغريب هو ما يخلق التواصل بين أصدقاء كانوا في عداد الافتراض، ومع الوقت أصبحوا واقعيين وحقيقيين، ولهم حيثيات معروفة وواضحة، وآراء ومواقف ونقاشات في كل شيء، قد تتحول إلى عداوات إذا ما كان الخلاف والنقاش حول راهن الوضع السياسي العربي الحالي.
على أنه، وسط هذا كله، هناك نوع من القراءات التلصصية على الفيسبوك، يسببها ما قلناه سابقا: إن الصفحة الشخصية تشبه دفتر المذكرات، خصوصا مع الكتابات الوجدانية أو النصوص الأدبية والشعرية، فبقدر ما تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى منابر لطرح الرأي السياسي وتبادل الأفكار والنقاشات والجدل، خصوصا في السنوات السبع الأخيرة التي تحدث فيها تغيرات مذهلة على المستويات السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، وفي العالم كله، لا في محيطنا العربي وما حوله فقط، بقدر ما أصبحت هذه الصفحات منابر أدبية وثقافية وفنية، مع الشح الشديد في المنابر الورقية والعامة، فمع ازدياد عدد الصحف الورقية التي يتم إغلاقها، خصوصا الملاحق الثقافية، ومع اعتماد ما تبقى منها على مجموعة قليلة من الأسماء المعروفة والمشهورة، ومع الانعدام الكلي للاهتمام بالثقافة في الدول العربية، بسبب الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، والتعامل مع الثقافة والفن بوصفهما سقط متاع، وجد كثير من الكتاب، من مختلف الأعمار، أن صفحات وسائل التواصل قد تكون منابر بديلة ومهمة لما يريدون قوله والكتابة عنه، منابر لا رقابة عليها ولا شروط ولا استعلاء، وفي الوقت نفسه تصل إلى أكبر عدد من القراء، المهتمين وغير المهتمين، وهذا بدوره، على عكس ما يشاع، يخلق علاقة جدلية بما يخص موضوعة الكتابة الأدبية وعلاقتها بالقراء، ويتيح الفرصة لتجارب جديدة مختلفة قد تكون محظورة في الصحافة الأدبية المكتوبة أو الرسمية، كما أنها تعطي مساحة واسعة من حرية الكتابة والتعبير وخرق «التابوات» الاجتماعية والسياسية وحتى الأخلاقية في الكتابة.
هذه العلاقة الجدلية والجدالية بين المنشورات الفيسبوكية، على اختلافها، وبين المتابعين لها، خصوصا النصوص الأدبية، تجعل الكاتب عرضة للتأويلات الشخصية من قبل المتابعين، فمن تجربتي الخاصة، وأنا أنشر معظم نتاجي الشعري على صفحتي على فيسبوك، أفاجأ بكمية من الرسائل أو التعليقات المصاحبة للنص، تحاول مواساتي إذا ما كتبت عن وحدة المرأة أو عزلتها، أو تهنئتي إذا ما كتبت نصا عن الحب، وكأنني أكتب يوميات لا نصا شعريا مفتوحا على احتمالات العالم والحياة، هذه القراءة التلصصية التي أتحدث عنها، التي تجعل صاحبها يبحث بين سطور النص عن الحياة الشخصية للكاتب، وهي قراءة نجدها أيضا خارج العالم الافتراضي، فما أن يقرأ قارئ غير متخصص نصا مكتوبا بلغة المتكلم حتى يحيل الحدث مباشرة إلى الكاتب، وكأن الكاتب يكتب سيرة شخصية لا عملا أدبيا عاما. ولا أدري إن كانت هذه الصفة تختص بمجتمعاتنا فقط أم هي صفة يمكن تعميمها على القراء في كل العالم، إذ أن الفضول ومعرفة الخبايا والأسرار تبدو كما لو أنها غريزة غير معلن عنها، لكنها موجودة لدى الجميع.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران