كتاب وأراء

بين منطق المقاومة وتبرير الخنوع ــ «1-2»


من الناحية التاريخية لم تكن مقاومة الشعوب لمحتليها في أي وقت من الأوقات تقوم على تكافؤ في القوة أو تساوٍ في الإمكانات بين المُحتل والمحتَل، فالشعوب عندما تثور من أجل تحرير أراضيها كانت دوماً تتسلح بالإيمان أولاً باعتبارها صاحبة حق قبل أن تبحث عن مراكمة القوة العسكرية لتصل إلى حالة تساوٍ مع العدو من حيث القدرات العسكرية.. فلا الثورة الفيتنامية أو الجزائرية ولا حركات التحرير في إفريقيا وآسيا انتظرت لحظة تحقيق قوة عسكرية مساوية للاحتلال للانطلاق في نضالها.
بل يكشف التاريخ أن الشعوب الخاضعة للاحتلال لم تكن هي ذاتها موحدة في مقاومتها، بل عرفت حضور أطراف كانت تتعاون مع المحتلين وأطراف أخرى سعت إلى البحث عن حل من خلال العمل السياسي، فيما كانت القوى التي تسعى للتحرير عبر الكفاح المسلح هي الجهة الأقل عدداً عند بداية نضالها، ولهذا كانت المقاومة تعرف موجات مختلفة خلال التاريخ الطويل للاحتلال وكلما عجزت قوة عن مواصلة الطريق ظهرت قوى جديدة تحمل الراية وتواصل الطريق بصبر وإيمان بأن لحظة النصر آتية لا ريب فيها.
اليوم تعرف القضية الفلسطينية ذات الخريطة التي تشكل المشهد العام في الموقف من مقاومة الاحتلال، كما حصل في كل مراحل التاريخ، أعني وجود أطراف متعاونة مع الاحتلال وأخرى تقاومه سياسياً وطرف ثالث يرفع لواء الكفاح المسلح، غير أن خصوصية القضية الفلسطينية تكمن في عاملين أولهما أن الاحتلال الصهيوني يقوم على منطق إحلالي استيطاني يستهدف القضاء على الشعب الأصلي صاحب الأرض ليُحل محله حشود قادمة من شتى أصقاع الأرض والعامل الثاني هو الدعم الواسع الذي يحظى به هذا الكيان من قبل أطراف دولية نافذة تقدم له دعماً مادياً وسياسياً غير محدود في مقابل حالة الحصار التي تعانيها المقاومة الفلسطينية من الدول التي كان يفترض أن تكون سنداً لها وظهيراً وهذا ما يجعلها تتحمل عبء المقاومة وعبء توفير السلاح والأدوات اللازمة للنضال خلافاً مثلاً للمقاومة الفيتنامية التي وجدت حاضنة صينية سوفياتية في حينها جعلتها قادرة على المواجهة أو في النموذج الجزائري، حيث وجدت جبهة التحرير الوطني سندا في دول عديدة جعلتها تحقق حضوراً سياسياً واضحاً في وقت قياسي (بين 1954 و1962).
وما يعمّق جراحات المقاومة الفلسطينية هو تواطؤ بعض الأنظمة العربية ضدها، فهي لا تكتفي برفض دعمها وإنما تتجه نحو التحالف مع الاحتلال سعياً إلى إنهاء هذه المقاومة وصولاً إلى تحقيق ما يسميه هؤلاء «صفقة القرن».
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي