كتاب وأراء

دُفعة 2018.. ماذا بَعدَ الحُلم؟

إن الحياة الدراسية عبارة عن مجموعة من الصعاب والتحديات الجمة التي تواجه الإنسان عاما بعد عام ومرحلة بعد مرحلة، تكون كالجدار الكبير الذي يجهد الفرد نفسه على اجتيازه بالعلم والمعرفة والرغبة في إثبات الذات، وهنا نجد الكثير من الذين سبقهم ركب التعليم قد تقاعسوا عند أول اختبار أو حتى ثاني اختبار ولم يدفعهم طموحهم الباطن إلى مزيد من العطاء، كما نجد في الوقت ذاته الذين يواظبون على الاستذكار والسعي إلى النجاح الدائم ينسون كل لعراقيل والتحديات الصعبة لحظة إحراز النجاح ويبقون في حالة من الانتشاء التي لا توصف راغبين في المزيد والمزيد!
بالأمس خرجت جامعة قطر أبناءها وبناتها دفعة 2018، والذين كانوا من الفريق الآخر الذي أراد أن يواظب على النجاح وتحقيق الأهداف المستقبلية، ومن خلال احتكاكي اليومي بهؤلاء لاحظت عبارات الفرح تمتزج مع عبارات الحزن، فوجدت الفرح مبررا في هذه اللحظات النادرة من عمر الإنسان، إلا إن الحزن للتخرج وجدته أمرا غريبا! لكني سرعان ما أدركت أن لهذا الحزن معنى كبيرا، حيث إن النهاية كما يتصورها الخريجون والخريجات باتت في هذا اليوم، مودعين الحرم الجامعي ومودعين مقاعد الدراسة بما تحمله من ذكريات الأيام الحلوة والمتعبة ومتجهين إلى مستقبل مجهول، وفي الحقيقة قد انتابني هذا الشعور لزمن طويل عند تخريجي من جامعة قطر لكني سرعان ما تيقنت أن الحياة الجامعية سلسلة من المراحل المتصلة والمنفصلة، ولا أسى أبدا عند انتهاء مرحلة منها بل الأسى لو أخذتنا دوامة الحياة على عدم استكمال مراحلها المتبقية.
نجد فريقا من الناس يتعلق كثيرا بالزمان والمكان والأشخاص في تلك الحقب، ويتوق دائما إلى أن تعود به دوامة الحياة إلى الأيام التي مضت، إن هؤلاء المتمسكين بقانون «التعلق» يعيشون لحظات صعبة، يظنون أن الذي تبقى من العمر ربما لا يحمل في طياته ذات الفرحة وذات الابتسامة وذات المواقف الجميلة، ربما الإنسان لا يصنع قدره إلا انه جزء كبير من هذا القدر، حيث انه مخير لا مسير، وهنا يبدأ دور العقل الإنساني هذا المخلوق العظيم في اختيار بدائل الحياة وفهمها قبل ذلك، ومن هنا يجب على هؤلاء الخريجين أن يسعوا بعد هذه الخطوة الهامة في حياتهم إلى التفكير الجدي في خلق مستقبل عملي وعلمي باهر لهم على حد السواء، فالجامعة مرحلة لا تنتهي أبدا، لكن قد بدأت في الحياة مرحلة مهمة نستطيع من خلالها أن نزاوج العلم بالعمل، وان نعيد من خلالها بعضا مما قدمه لنا هذا الوطن من عطاء فنصبح أداة محركة فعالة في النهضة والعمران والبناء والتشييد في كافة المجالات الواعدة في دولة قطر.
ماذا بعد الحُلم؟! سؤال قد يطرأ على الخاطر عندما نقف أمام المرآة حيارى، بعد أن انهينا مرحلة مهمة حلمنا باجتيازها كثيرا، ولتكن مرحلة الدراسة أنموذجا على هذه المراحل، فماذا بعد الحُلم؟، يجب أن تعلم عزيزي وعزيزتي الخريج والخريجة أنَّ الأبواب ربما تكون قريبة جدا لكنها بانتظار قارع مجد يجيد فن قرع الأبواب، فدولة قطر في مرحلة ازدهار وانفتاح دائم وأبواب العمل أمام الجيل الطامح أمثالكم مفتوحة، إلا أن الخيبة أيها الأعزاء تحدق بالإنسان الناجح أينما كان، فلابد من لحظات تسيطر فيها على الإنسان مشاعر الحزن والهزيمة، ومشاعر الحيرة والترقب أمام مجهول «الزمن» لكن علينا أن لا تعجزنا هذه المشاعر الطبيعية الدورية، بل علينا أن نتصلب كثيرا وان نواجه الحياة بنفس عميق وبحلم كبير لا يقهر.
العظماء الأوائل شيدوا الدولة شبرا شبرا في زمن لم تكن فيه الحياة رغدة كأيامنا هذه، لكنهم حفروا الصخر ونقشوا أحلامهم الكبيرة في واقع قطر، وبدأوا من اللبنة الأولى وتحدوا العراقيل، فلك يا عزيزي أن تتخيل أن هؤلاء لم تعلمهم المدارس ولم تخرجهم المعاهد ولا الجامعات، بل تعلموا بأنفسهم وواجهوا لوحدهم، وبنوا لنا رغد العيش، والآن أتى دوركم يا أمل الغد، فالحياة لم ولن تتوقف هنا، فقد وجدنا جميعا «لإعمار» هذه الأرض، وعلينا ذلك من أجل مصلحة البشرية، ومن أجل رد الجميل إلى الجميع ومن أجل غد أفضل لنا ولأبنائنا وأهلنا وامتنا. فماذا بعد الحُلم؟ جوابها أنه بعد الآن نحن من سنصنع السعادة والأمل والحياة الكريمة، ونحن من سيواجه التحديات بأمل عظيم، ونحن من نقف على أعتاب المعاهد والجامعات نطالبهم بالمزيد والمزيد، ونحن من سيطرد الحيرة والقلق والترقب واليأس ونحلم بغد جميل كبير يسع الجميع، نحقق فيه ما نريد إن شاء الله تعالى.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي