كتاب وأراء

بين منطق المقاومة وتبرير الخنوع «2 - 2»

يكشف التاريخ أن الشعوب الخاضعة للاحتلال لم تكن هي ذاتها موحدة في مقاومتها بل عرفت حضور أطراف كانت تتعاون مع المحتلين وأطراف أخرى سعت إلى البحث عن حل من خلال العمل السياسي فيما كانت القوى التي تسعى للتحرير عبر الكفاح المسلح هي الجهة الأقل عددا عند بداية نضالها، ولهذا كانت المقاومة تعرف موجات مختلفة خلال التاريخ الطويل للاحتلال، وكلما عجزت قوة عن مواصلة الطريق ظهرت قوى جديدة تحمل الراية وتواصل الطريق بصبر وإيمان بأن لحظة النصر آتية لا ريب فيها.
اليوم تعرف القضية الفلسطينية ذات الخريطة التي تشكل المشهد العام في الموقف من مقاومة الاحتلال كما حصل في كل مراحل التاريخ، أعني وجود أطراف متعاونة مع الاحتلال وأخرى تقاومه سياسيا وطرف ثالث يرفع لواء الكفاح المسلح، غير أن خصوصية القضية الفلسطينية تكمن في عاملين أولهما أن الاحتلال الصهيوني يقوم على منطق إحلالي استيطاني يستهدف القضاء على الشعب الأصلي صاحب الأرض ليُحل محله حشود قادمة من شتى أصقاع الأرض والعامل الثاني هو الدعم الواسع الذي يحظى به هذا الكيان من قبل أطراف دولية نافذة تقدم له دعما ماديا وسياسيا غير محدود في مقابل حالة الحصار التي تعانيها المقاومة الفلسطينية من الدول التي كان يفترض أن تكون سندا لها وظهيرا، وهذا ما يجعلها تتحمل عبء المقاومة وعبء توفير السلاح والأدوات اللازمة للنضال خلافا مثلا للمقاومة الفيتنامية التي وجدت حاضنة صينية سوفياتية في حينها جعلتها قادرة على المواجهة أو في النموذج الجزائري حيث وجدت جبهة التحرير الوطني سندا في دول عديدة جعلتها تحقق حضورا سياسيا واضحا في وقت قياسي (بين 1954 و1962). وما يعمّق جراحات المقاومة الفلسطينية هو تواطؤ بعض الأنظمة العربية ضدها فهي لا تكتفي برفض دعمها وإنما تتجه نحو التحالف مع الاحتلال سعيا إلى إنهاء هذه المقاومة وصولا إلى تحقيق ما يسميه هؤلاء «صفقة القرن» أي تصفية القضية برمتها وتحويلها لمسألة إنسانية تتعلق باللاجئين الذين ينبغي تسوية مشكلتهم بعيدا عن البحث في أصل المسألة بوصفها قضية احتلال غير شرعي لأراضي الغير.
غير أن المقاومة باعتبارها تعبر عن جوهر الشعب الذي يرفض الموت أو التصفية ويتشبث بقضيته ويدفع لأجلها أعظم التضحيات، تنجح دوما في إعادة خلط الأوراق وإفساد المخططات الدولية بداية من اتفاق أوسلو الذي انتهى إلى طريق مسدود ووصولا إلى صفقة القرن التي يبدو أنها ماتت قبل أن تولد.
فالمواجهات الأخيرة التي عرفها قطاع غزة والعمليات البطولية التي تنفذها المقاومة في الضفة الغربية وفي أكناف بيت المقدس كشفت عن تشكّل قدرات ردعية مهمة لدى فصائل المقاومة الفلسطينية التي باتت قادرة على الرد بشكل يجعل العدو يراجع حساباته قبل أن يحاول العدوان على الشعب الفلسطيني. فالمقاومة التي أبدعت أشكالا مختلفة من النضال بداية من انتفاضة الحجارة ثم انتفاضة الأقصى ومرورا بالعمليات الاستشهادية ووصولا إلى حرب المفخخات والصواريخ أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن إرادة الفعل والإيمان بعدالة القضية والاستعداد للتضحية وحسن التصرف في الموارد المتاحة يمكنها أن تغير المعادلات وتجبر العدو مهما كانت قوته إلى البحث عن هدنة. من الطبيعي القول أن المقاومة ليست بوارد تحرير كل الأرض الآن وهنا ولكنها هي من يحفظ للقضية استمرارها ولشعلة الأمل جذوتها بأن النصر آت لا ريب فيه وهذه سنن التاريخ التي لا تتغير.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي