كتاب وأراء

لا شـيء تـغـيـر

قدمت قناة (لنا) وهي قناة تليفزيونية سورية جديدة، أنشأها أحد رجال الأعمال المقربين جدا من النظام السوري، لتكون بديلا عن قناة( سما) التي فقدت مصداقيتها لدى السوريين المؤيدين للنظام، بسبب خاصية الكذب والمبالغة التي ميزتها منذ بداية الثورة السورية، بحيث لم تعد تلك الأكاذيب تنطلي على أحد،
وبدأ متابعوها يقلون وينسحبون، فكان لابد من قناة تليفزيونية جديدة تتناسب مع المرحلة (الجديدة) في سوريا، والتي يعلن فيها النظام انتصاره على المؤامرة الكونية التي استهدفته، ويطالب المهجرين واللاجئين بالعودة إلى سوريا ، والبدء بإعادة الإعمار، فتم إنشاء قناة (لنا) لتكون، كما قيل عنها، قناة جامعة لكل السوريين، المحبين للوطن، ومرحبة بالجميع، لا تتدخل بالسياسة، بل قناة وطنية تهدف أن تتوجه (لنا) كما يوحي اسمها، أما (لنا) هذه، الفضفاضة، فسرعان ما يتضح من خلال متابعة قليلة للقناة أنها (لهم)، لمن ناهض الثورة وأعلن العداء لها، لمن أيد القتل والقتلة ووافق على التدمير، ولمن لا يرى في الاحتلالات المتعددة لسوريا سوى حلفاء يساعدون الحكومة التي تأمر عليها الجميع على استرداد قوتها.
قدمت قناة (لنا) مؤخرا حلقة من برنامج (في أمل) الذي تقدمه الفنانة السورية المعروفة أمل عرفة لقاء مع الفنان الشهير دريد لحام، (يكفي متابعة أسماء الفنانين الذين استضافتهم أمل عرفة حتى الآن لمعرفة توجه القناة، إذ كلهم دون استثناء من الذين بقوا داخل سوريا ودعموا النظام السوري في حربه ضد الشعب الثائر) إذ بطبيعة الحال لا يمكن لفنان أومثقف معارض العودة وإلا سيكون مصيره مشابها لمصير المناضل عبدالعزيز الخير الذي أخفاه النظام منذ أكثر من خمس سنوات، رغم أنه كان مصنفا كمعارض وطني لم يغادر سوريا كما الآخرين، وكان بإمكان أمل عرفة أخذ المبادرة وتصوير حلقات من برنامجها مع فنانين أو مثقفين معارضين في الخارج، ومعظمهم كانوا أصدقاء وزملاء لها، وبذلك تحفظ القناة بعض ماء وجهها لتكون (لنا) جميعا كما تدعي، لكن لا شيء تغير، لا النظام ولا مؤيدوه يريدون أن يسمعوا صوتا آخر مختلفا أو مغايرا، وهكذا تصبح (لنا) هي الوجه الآخر لـ(سما)، لكنه الوجه المغطى بطبقات من المكياج كي يخفي آثار دماء السوريين.
في العودة إلى حلقة (في أمل) التي استضافت الفنان دريد لحام، فلم يكن مفاجئا استخدام الفنان الشهير لجملة : (أنا صرماية الوطن) فقد اعتاد على قول هذا النوع من الكلام الرخيص طوال حياته، في حديثه عن الوطن، الذي نادرا ما يسميه (سوريا) وكأن الوطن الذي يمكن للحام أن يكون أي شيء له هو مصطلح مجرد، لا حيثيات له، كأن الوطن هنا لا ملايين فيه تشردت وفقدت كل ما تملك، ولا أرضا امتلأت بالمقابر الصريحة والمخفية، ولا معتقلات في قلب دمشق يحشر فيها عشرات آلاف المعتقلين يتعرضون لكل ما يخطر في البال من صنوف التعذيب تحت الموت، وكأن الوطن ليس ملايين الأطفال الذين فقدوا حقهم في التعليم واللعب والطفولة والحياة، وكأن الوطن ليس أمهات فقدن فلذات أكبادهن جميعا، وكأن الوطن ليس تاريخا تم تدميره بالصواريخ والطائرات والراجمات، وكأن الوطن ليس شعبا يتم حصاره كي يموت جوعا وفرا ومرضا وقهرا، كأن الوطن هو المساحة التي يجلس عليها الفنان الكبير دريد لحام في استوديو التصوير ويطلق ترهاته المعتادة عن وطن لا يعرف أحد ماهيته وهويته وحاضره ومستقبله، كأن مفردة الوطن الذي طالما سمعناه يرددها في أعماله ومقابلاته هو هواء وفراغ وصوت لا يعكر صفوه ملايين (الحثالات) الذين يموتون بكل أنواع الموت كي يبقى وطن دريد لحام مثاليا ونظيفا بحيث لا شيء يغبر على (صرماية) الوطن حسب مصطلحه.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران