كتاب وأراء

أشواكٌ ناعِمَة

إنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في أنَّ كلينا ينتمي إلى عالمٍ نصنعه كل يوم بحسب توقعاتنا وإسقاطاتنا والسيناريوهات الغنوصية التي نداريها عن الكل لنقرأ الآخرين ودُنيانا المتبقية بعدهم من منظورها. إن أغلبنا لا يزرع الشوك أبدًا، بل يسقي الحياةَ بكل ما لديه من قلب وروح، ويَجدُل الخير في دنيا الناس منتظرًا خيرَ الجزاء يومًا، وإذا به ينتهي إلى الشوك في طريقه جانياً إياه بعد زرعٍ طويل. كيف لمن لا يزرع إلا السعادة والعطاء والخير في الآخرين ويُؤثر هذا وذاك وهؤلاء على ذاته، كيف لهُ أن يجني بعدها شوكًا ومرًا؟
هو تساؤل بديهي يجول في خاطرنا عندما يُسيء الآخرون لنا بشكل أو بآخر رغم إحساننا إليهم. واعلم عزيزي القارئ أنَّ الأمر نسبيٌ جدًا وحساس، فبعض ما يراه الآخرون من خارج الحالة الماثلة (الصندوق) عاديًا جدًا يجده صاحب العلاقة مؤلما جدًا ويعود ذلك قطعًا لمبالغته التوقع من الآخرين في الخير وتوقعه أن يكونوا مرآته العاكسة إذا ما انعكست الآية وأصبح الطالبُ لا المطلوب، المُنتظِر لا المنتَظَر منه. طبيعي جدًا أن أنحو الآن وأتشدق في هجومي على كل من كسر قلبًا وروحًا كانت تنتظر مزيدا من الكرم في العطاء والبذل في أيّ شيء كان، لكني على نقيض ذلك تمامًا، أتوجه لأنموذج الفريسة الجاهزة للأوجاع والانتكاسات، لهذا الشخص الذي يُربي كل يومٍ وكل لحظة توقعاته المبالغة من الآخرين، رغم أنه يدري أنه ليس منهم وليسوا منه.
إنه بهذا ألفِعل وكثيرنا يقع في هذه الفئة في بعض حوادث الحياة يكون قد تسبب بألم مسبق لذاته دون أن يشعر، والأسوأ من ذلك أن يقع في ذات الخطأ مرارًا وتكرارًا دون شعورٍ مسبق بذنبه تجاه نفسه.
إن الإحساس المبالغ بالمسؤولية تجاه الأقربين والدائرة الخاصة إحساس فُسيفسائي راقٍ جدًا. وعليه، فتبعاته العاطفية كبيرة جدًا! وعلى أصحاب تلك الفئة أن يتراجعوا قليلًا ويتمهلوا في اندفاعهم اللامحدود تجاه من حولهم من مقربين.
ومن العطاء الكريم جدًا تأتي مسألة إبداء الآراء، فإننا نعيش اليوم في مجتمعات متحضرة كما تزعم مجتمعات متداخلة، عليها أن تعيش بحب وسلام بعيدًا عن طيوف البربرية والتخلف. وعليه، فإن احترامنا واحتواءنا للآخر عليه أن يشمل جانب احترامنا لآرائه وتوجهاته. إنَّ التعصب المطلق للرأي والحدية والتشنج اتجاه آراء الآخرين يمنع الإنسان من الانفتاح على الرأي الآخر، واستماعه والاطلاع عليه والتمتع بجمال الاختلاف تماما مثل جمال الاتفاق والمعية، وربما كان المخالف هو صاحب الرأي الصحيح والصائب. ثمَّ إن ذلك قد يجعل الإنسان في موقف حرج مستقبلاً إذ قد يتبين له خطأ رأيه، فكم من إنسان تراجع عن رأيه، وتغيرت قناعاته!، فحينما تعتقد أحقية رأي معين، وتجد آخرين يخالفون هذا الرأي (الحق) في نظرك، فإنَّ عليك قبل أن تتهمهم بالعناد والجحود والمروق، وأن تتخذ منهم موقفاً عدائياً، أن تتفهم ظروفهم وخلفية مواقفهم، فلعل لديهم أدلة مقنعة على ما يذهبون إليه، أو لعلهم يجهلون الرأي الحق لقصورٍ في مداركهم ومعلوماتهم، أو لعلهم يعيشون ضمن بيئة وأجواء تحجب عنهم الحقائق، أو لعلّ هناك شبهات تشوّش على أذهانهم وأفكارهم.
وحتى لا أحمّل هذه الفئة (الكرماء في العطاء) الكثير، علينا أن ندرك جميعًا أن الدين والعقل الإنساني السليم (العقل ألفِطري) يُجبلنا بشكلٍ مباشر على الشعور بالآخرين، وإكرام المحسن الصادق أيًا كان فعله، فذاك من شيم الكبار في كل شيء ولَـعَمْري تلك هي المروءة ذاتها.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي