كتاب وأراء

محامي القضايا الخاسرة «2 - 2»

كان إدوارد سعيد يؤكد أن من واجبات المثقف أن يقوم بدور الشاهد «الذي يشهد بوقوع إحدى الفظائع التي لولا شهادته، ما سجلها أحد» ولكن ما نراه اليوم من قيام بعض المحسوبين على الثقافة وممن يزعمون تبني فكر ليبرالي هو خيانة دورهم الفعلي وتحت شعارات زائفة تعمد إلى تبرير تجاوزات لا يمكن قبولها بأي صيغة كان.. ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى موقف تركي الحمد من قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، حيث تراوحت مواقفه المتذبذبة بين إدانة الجريمة إذا اقترفتها دولة أخرى وليتحول إلى منطق التبرير بعد اعتراف النظام السعودي الذي يدافع عنه بارتكابها، فعند سؤاله عما إن ثبت تورط قطر في عملية الاغتيال، علق الكاتب بأنها «تنتفي عنها صفة الدولة». وأشار إلى أن (تلك) الدولة لا تمارس أعمال عصابات «هذه أعمال مافيا».. وهنا تظهر ازدواجية المواقف وغياب المبدئية والسعي إلى شيطنة الخصوم السياسيين للنظام الذي يدافع عنه قبل حرصه على الدفاع عن الحقيقة وإدانة الجريمة في جوهرها بغض النظر عن مرتكبيها.
وأن يعمد أحد المثقفين المفترضين إلى الترويج لخطاب عنصري ويهدد إحدى الصحفيات بقوله: «المنشار يليق بك» كما رد عبدالخالق عبدالله فهذا ليس خطاباً ثقافياً بقدر ما هو تهديد يجعله ينخفض إلى مرتبة الجلاد ويتحول من خلالها إلى عصا غليظة للتخويف والترهيب.. بل ويصل أحد المحسوبين على التيار الليبرالي السعودي إلى حد الحديث عن «حملة صليبية ضد ولي العهد محمد بن سلمان»، فهذا يجعله في موقف نقيض لما يزعم الإيمان به أعني بوصفه نصيراً مفترضاً للحرية وليثبت أن ليبراليته ليست سوى شعارات جوفاء يختصرها في محاربة خصومه المتدينين ولكنه لا ينتقد الاستبداد أو انتهاك حقوق الإنسان.
أطلق سارتر لقب «المثقف الزائف» على هذا النمط من الكتّاب، معتبراً أن دورهم يتمثل أساساً في تزييف الوعي ويقدمون خطاباً يقوم على الاستدراك «بعبارة أخرى لا يقول المثقف المزيف» لا«مثله مثل المثقف الحقيقي، بل يقول» لا.. ولكن «أو اعلم ذلك حق العلم ولكن ينبغي أيضاً..»، هذا النمط من الخطاب الذي سمعناه إثر جريمة قتل خاشقجي وقبلها إثر مجازر رابعة، حيث يعمد الكاتب من هؤلاء إلى محاولة تحميل الضحية مسؤولية الانتهاك الواقع عليه، بل سمعنا من يتحدث بمنطق أن تركيا ضالعة في اغتيال خاشقجي، لأنها لم تمنعه من الدخول إلى القنصلية بشكل يعطيك انطباعاً أن قتل الرجل هو أمر واجب.
في مقابل هؤلاء الذين يبررون كل جريمة ويجدون لكل انتهاك سبباً ويتمسحون بأعتاب كل مجرم مادام صاحب سلطة، يمكن أن نعتبر جمال خاشقجي نموذجاً للمثقف الحقيقي الذي دفع حياته ثمناً لآرائه وانحيازه للحق، فالمثقف بصورته الفعلية ينبغي أن يكون أخلاقياً أولاً متبنياً للقيم الإنسانية قبل كل شيء ولهذا يجد نفسه دوماً في مربع الدفاع عن المُضطَهَدين وقد ينتهي به الأمر في خانة الاستهداف السياسي والأمني، فالمثقف هو أولاً فاعل اجتماعي دوره التنديد بكل أشكال التسلط والاضطهاد التي تهدد الإنسان وتنتهك الحقوق والحريات.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي