كتاب وأراء

النصف الآخر من الـحقـيقـة

أحاول جاهداً الابتعاد عن الكتابة السياسية بمعنى متابعة الأحداث اليومية وما أكثرها، من العراق إلى سورية إلى لبنان إلى ليبيا إلى اليمن، إلى ما يحدث عند جيراننا في إيران وتركيا، أما تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا فإن بعدها الجغرافي يجعلنا أقل اهتماماً بقضاياها، وهذا عائد أيضاً إلى مفهوم بشع يسيطر علينا منذ أيام الخلافة العباسية ونشوء الدولة الأموية في الأندلس، إذ يترسخ في نفوسنا دون أن نتعمد ذلك أننا الأصل، وأن هؤلاء ملحق أو هامش، وأن عليهم أن يعرفوا كل شيء عنا، وأن يهتموا بقضايانا، دون أن نبذل أي اهتمام لقضاياهم، ليس في السياسة فحسب، بل في الفن والإعلام والأدب والشعر والرواية، وإلا فليقل أحد لي كم شاعراً أو قاصاً أو روائياً أو ملحناً أو مطرباً أو ممثلاً أو مسرحياً نعرف من هذه البلدان؟ ندعي أننا نريد معرفة العالم من أستراليا إلى تشيلي، ونترجم، ونقيم المهرجانات، وماذا عن إخوتنا وأبناء عمومتنا؟ أليسوا الأولى بأن نعرفهم؟ لماذا يجب أن أعرف أدب فييتنام وجنوب إفريقيا وكولومبيا، بينما أجهل أدب إخوة لي يكتبون بلغتي، وهمومنا واحدة، وآمالنا واحدة. انطلق إلى العالم وابدأ بأهلك وجيرانك نشأنا ونحن نردد مقومات الوحدة العربية، وتعرفونها فلا داعي لإزعاجكم بتكرارها، ولكنني أضيف الآن «وحدة الهموم» وكما قال محمد الماغوط «يكفي أن أعرف مشاكل أي متر مربع من الوطن العربي لأعرف مشاكل هذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر وهمومه» وأستعير من شوقي قوله نصحتُ ونحنُ مُختلفون داراً ولكن كلنا في الهَمِّ شرقُ وأقول: «كلنا في الهمِّ عُرْبُ»: الفقر والجهل والأمية وتهميش العقل وتغييبه، والفساد والإفساد وخنق الحريات وتكميم الأفواه، وانعدام خطط التنمية العلمية والالتهاء بالقشور، ووأد الثقافة، وإعلام مسطح، وهموم أخرى كثيرة أعجز عن إحصائها. يتقدم العالم كله بسرعة مذهلة – ما عدا البلدان التي تماثلنا - ونحن نسير بسرعة السلحفاة، بل إننا في أحيان كثيرة نبدو كأننا نسير إلى الخلف، ونعرف أن التقدم لا يتحقق إلا بالعلم والبحث وإيجاد البيئة الصحية للمبدعين، ولكننا ننشغل عن العلم بالتوافه من الأمور، مسابقات تهمش العقل وتغيبه، ألعاب رياضية وتسليات، حفلات واهتمام منقطع النظير باكتشاف مطربين جدد، ولا تأتي أي جامعة عربية ضمن أفضل 500 جامعة في العالم، وفي العالم نحو 300 معهد بحث علمي محكم، أي موثوق بنتائجه دون ضرورة إعادة التجربة، ليس بينها معهد عربي واحد، وفاز ثمانية إسرائيليين بجوائز نوبل في الكيمياء والفيزياء، ونحن ما زلنا نرقص لأن عربياً فاز بنوبل للآداب، والهموم كثيرة، والدموع كثيرة.www.nizarabdeen.com
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين