كتاب وأراء

لافتة كفرنبل الأخيرة

من النادر أن استطاعت بلدة صغيرة الوصول إلى العالمية، وتصبح مثالاً على الحراك المدني والثورة السلمية التي تنادي بالدولة المدنية والديمقراطية والتعددية، كما وصلت كفرنبل، وهي بلدة صغيرة بالشمال السوري، تتبع لمحافظة إدلب، منذ بداية الثورة السورية عام 2011، أبهرت كفرنبل السوريين بلافتاتها المميزة، وبحراكها المدني الاستثنائي، وبقدرة أبنائها على صوغ ما يريدونه من الثورة دون ضجيج إعلامي ودون صخب، كانوا يبدعون لافتات، يكتبون عليها ما يريدون ويقفون جميعا خلف اللافتة ويتصورون. هذا الإبداع سرعان ما تناقلته وكالات الأنباء العربية والعالمية، حتى صارت لافتات كفرنبل واحدة من أشهر علامات الثورة السورية، وصار ناشطو كفرنبل رمزا للحراك المدني ولصوابية الرؤية الثورية، ورغم كل الافتراقات التي حصلت للثورة السورية، ورغم سيطرة الكتائب الجهادية على الشمال السوري، ورغم كل ما حدث في تلك المناطق المتروكة ليتلاعب بها الجميع، ورغم القصف المتواصل من النظام وحلفائه، ومن التحالف الذي يفترض أنه يستهدف داعش والنصرة وغيرها من الكتائب، ورغم تحويل مدينة إدلب إلى تجمع لكل الفصائل الجهادية، بعد الاتفاقات التي تمت في ريف دمشق وغوطتها، وفي ريف حمص، وفي منطقة حوران، وفي كل المناطق التي كانت ثائرة ضد النظام ثم انتقلت من سيطرته إلى سيطرة الكتائب الجهادية التكفيرية، رغم كل ذلك ظل ناشطو كفرنبل المدنيون على حالهم، لم تقو عليهم سيطرة الجهاديين على بلدتهم، ولم يخضعوا لما أرادته هذه الكتائب، وظلت لافتات كفرنبل تعلن أن ثمة ثورة في سوريا، ثورة مدنية تقف في وجه الجميع، ولو لم يبق هناك إلا القلة المؤمنة بمبادئ الثورة. خلف هذه اللافتات وذلك الحراك كان يقف فنان لم يكن معروفا قبل الثورة، اسمه رائد الفارس، كان رائد هو العقل المبدع لتلك اللافتات، يعاونه فريق صغير يصور ويرفع الصور على وسائل التواصل، وينقل الأخبار عما يحدث في كفرنبل، ويرصد الانتهاكات التي كانت تقوم بها الفصائل الجهادية المسيطرة على المنطقة والمتناحرة فيما بينها، والتي كانت تحاول القضاء على أي مسلك للحياة المدنية وللحراك السلمي المدني في ريف إدلب وحلب، وطبعا استشهد معظم الفريق العامل مع رائد الفارس بقصف النظام وحلفائه، وبالاغتيالات التي كانت تتم من قبل ملثمين، وجرت محاولة لاغتيال رائد الفارس نفسه قبل عامين، نجا منها بأعجوبة، ورفض مناشدات الجميع له بمغادرة كفرنبل وسوريا حفاظا على حياته، كان يقول دائما: «أن مكانه في سوريا وليس في الخارج، وأن موته، لو حصل، لن يكون موتا للثورة، فالثورة لا يمكن أن تموت»، وكان يصر في صفحته على الفيسبوك على ذكر سوريا الملونة، سوريا التي ثارت أصلا ضد اللون الواحد فكيف ستقبل باللون الأسود؟ وفي الأيام الأخيرة الماضية ارتفع صوته كثيرا ضد اعتقال جبهة النصرة للناشطين السلميين، المحامين منهم على وجه الخصوص الذين كانوا يغطون الانتهاكات ضد المدنيين، وطالب عبر لافتاته الشهيرة بالإفراج عنهم ومحرضا أهل الريف الادلبي للثورة أيضا في وجه هذا الطغيان الأسود. وطبعا، كما كان متوقعا، لم يسامحه أعداء الحياة، وما عجز النظام عنه قدرت عليه كتائب السواد، اغتاله (ملثمون) مع صديقه الناشط الإعلامي حمود جنيد، وتم تناقل الخبر بسرعة البرق عبر الميديا المحلية والعربية والعالمية: (ملثمون مجهولون) يغتالون مبدع لافتات كفرنبل! وهو ما اعتبره كثر اغتيالا جديدا لرائد فارس وصديقه حمود جنيد، فمن اغتالوهما ليسوا مجهولين، هم أنفسهم الذين اغتالوا واختطفوا وأخفوا كل من لم تطله يد النظام، هم أنفسهم من اغتالوا أحلام السوريين بالتغيير، هم أنفسهم من اغتالوا الثورة السورية وعملوا على وأدها، هم أنفسهم من تعاونوا مع النظام على قتل كل مظاهر الحياة المدنية في المدن والبلدات الثائرة، هم أنفسهم من باعوا البلد والثورة وشباب الثورة وسرقوا ونهبوا واثروا وحاصروا تماما كما فعل النظام، هم أنفسهم الممولون بأجندات خارجية والذين مولوا الكثير من المثقفين السوريين للدفاع عنهم واتهام كل من يعترض عليهم بالتعامل مع النظام.. سقطت آخر لافتة في كفرنبل غير أن أثرها سيبقى طويلا ينخز في ضمير كل من باع الثورة السورية.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران