كتاب وأراء

صديقي وبلاد الشمس المشرقة

موظف صديق في إحدى المكتبات العامة شارف على سن المعاش، مثقف جدا وقارئ شره، ولا تحدثه عن علم من اعلام الثقافة العربية الا ويسهب في الحديث عن نتاجه الادبي او العلمي، وله من الاحفاد 14 حفيدا، وتزوج خمس مرات، اثنان منهن فقط على ذمته، والثلاث الأخريات طلقهن، وكان أول زواج له وهو في سن الثامنة عشرة، ورغم هذه السيرة الحافلة بالزواج وتعدد الأحفاد إلا أنه يبحث عن زوجة جديدة، ولا يكترث إن رزق بأبناء جدد، في مجتمع ينوء بسكانه، فهو يصم أذنيه عن جهود تحديد المواليد، ويرى ذلك خطأً كبيراً تهوى إليه كل المجتمعات التي تقيد عدد المواليد للأسرة الواحدة، ويقول لي: انظر الصين التي تندم حالياً من اتباعها سياسة إنجاب طفل واحد للأسرة، وانظر اليابان التي تتشوق إلى زيادة عدد مواليدها دون جدوى، ويحدثك بلغة لا تخلو من كوميديا، أغلبها كوميديا تقطر هماً وغماً وسوء أحوال، دون أن يدري أن أحد أهم أسباب هذا السوء يعزى إلى أسرته التي تفلطح عددها بزيادة كبيرة، ولكنه مع ذلك يقول لي: اضطر اليابانيون إلى اختزال جنازات موتاهم وتخفيض كلفتها، بعد أن صار عدد المتوفين أكثر بكثير من عدد المواليد، وأصبحت بلاد الشمس المشرقة في أزمة سكانية تبحث لها عن حلول في مجتمع يشيخ، وصار فيه عدد الشباب في دواليب العمل المختلفة أقل بكثير ما تحتاجه اليابان، هذا العملاق الاقتصادي الكبير الذي دخلت صناعاته ومنتجاته كل بيت في العالم. هذا الصديق ما كان يبالغ في قوله، فأول الحلول التقليدية والتي لا فكاك منها هي استعانة اليابان بمهاجرين يشتغلون في قطاعات الإنتاج المختلفة، وأول هذه القطاعات هو القطاع الزراعي، الذي لم يعد المسنون في اليابان قادرين على العمل به وإنتاج ما تعودت اليابان على إنتاجه، ومن ثم صار السؤال المطروح الآن في اليابان هو: كيف ندرب هؤلاء المهاجرين الجدد على مقتضيات الزراعة اليابانية الأكثر تقدماً تقنياً من مثيلاتها في العالم، فمن السهل جلب مهاجرين من دول لديها فائض سكاني، ولكن ليس من اليسير تشغيلهم في مزارع يابانية تتم فيها الزراعة بتقنيات وأساليب وطرق يندر أن يتوفر شبهها في العالم . اليابان ظلت مغلقة تماماً في وجه العمالة الأجنبية عبر عقود طويلة خلت، ولكن ما كانت تحرص عليه في السابق لم يعد ممكنا الآن، وصار لابد من جلب أيدٍ عاملة شابة. فنقص المواليد، وقلة الشباب، وتغير في العادات الاجتماعية، وربما خلل في نظام الزواج والأسرة، والعزوف عن العمل الزراعي، وضعف المسنين في القيام بأعباء الزراعة صار أزمة مستحكمة في اليابان، هذا على الرغم من أن هذه البلاد جزء من قارة ولود توصف بأنها رحم العالم، كونها أكبر قارات العالم سكاناً، أما اليوم فسوف تضطر اليابان إلى فتح أبواب الهجرة إليها والتي كانت موصدة تماماً.
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي