كتاب وأراء

دروس من رجل كبير

ماذا يمكن أن أضيف في هذه العجالة إلى سيرة نيلسون مانديلا الذي تحل ذكرى وفاته بعد غد (توفي في 5/12/2013 وولد في 18/7/1918) وقد كتبت عنه عشرات الكتب وآلاف المقالات والدراسات، وتم تقديمه في عشرات البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية؟ إن قصة حياة هذا المناضل وتجاربه درس لكل من قاوم الاستعمار وانتصر. لكنني أتوقف عند ثلاث لمحات مضيئة في تاريخه وتاريخ بلاده، الأولى أنه انتخب رئيساً بعد 27 سنة قضاها في السجن، وصار عام 1994 أول رئيس إفريقي لدولة جنوب إفريقيا وكان يمكن أن يظل رئيساً لفترة ثانية على الأقل، كما في جميع الديموقراطيات، ولكنه رفض الرئاسة، ولم يفعل ما فعله كثير من حكام العالم الثالث من تمسك بالكرسي حتى الوفاة، فكأن الجمهورية أصبحت ملكية، وفي عام 2000 انتقد بشدة رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، وعاب عليه تمسكه بالسلطة بعد عهدة دامت عشرين عاماً وحاول إقناعه بأن يترك منصبه «عاجلاً وليس آجلاً»، مع «قليل من الكرامة». اللمحة الثانية علاقته بزوجته ويني مانديلا التي لقبت «بأم الأمة» تعرضت صورتها للتشويه على خلفية بعض ممارساتها المثيرة للجدل، حتى أطلق عليها في ما بعد اسم «سارقة البلاد» وحكم عليها عام 1991بالسجن ستة أعوام لمشاركتها في اختطاف شاب عثر على جثته قرب منزلها، ثم تم تخفيف الحكم إلى غرامة مالية. وألقي اللوم عليها لأنها أحاطت نفسها بمجموعة من الشباب لحمايتها الخاصة، واتهمت بأعمالها العنيفة، إذ ارتبطت بعمليات إحراق من يوصفون بالخونة من السود في إطارات مشتعلة حول العنق. وشوهت سمعة ويني أكثر بعد أن طلقها في مارس/ آذار 1996 بتهمة إقامة علاقة غير شرعية مع محاميه أثناء فترة سجنه، كما تمت تنحيتها من منصب نائب وزير الثقافة. لم يتدخل مانديلا لحماية رفيقة دربه وحياته، ولو كان مطلعاً على التراث الإسلامي لقلت إنه كان يطبق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع «ويا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً». اللمحة الثالثة أنه خيب آمال المتشددين من رفاقه، ولم يفعل ما فعله كثيرون من الثوار، فلم يطلق العنان لمن أرادوا الانتقام من البيض كما فعل موغابي مثلاً، بل اتبع سياسة المسامحة والمصالحة، وبهذا جنب بلده حرباً أهلية، ومرة أخرى أقول: كأنه أخذ هذا من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة أحب بقاع الأرض إلى قلبه، وقد آذاه أهلها وأخرجوه منها، وعاد منتصراً، فلم يسع إلى الانتقام، بل قال لهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين