كتاب وأراء

أنيبونا مناب الثوب إلى أي حد من اختلال القيم انحدرنا ؟

من يتابع الميديا العربية من صحافة وإعلام ووسائل تواصل اجتماعية، بعد مهرجان السينما في دورته الأربعين، المنعقد أخيراً في القاهرة، سوف يرى إلى أي حد من الإسفاف والانحطاط قد وصلنا نحن العرب، وإلى أي حد من اختلال القيم والمعايير الأخلاقية، انحدرنا، والكم المذهل لقدرتنا على اختصار كل ما تعانيه أمتنا ليصبح كله منحصراً في ثوب ممثلة، عديم الذوق، أصلاً، ارتدته ممثلة شبه مغمورة على السجادة الحمراء في ختام المهرجان، إذ فجأة تجندت الصحافة والإعلام ونقابة المهن التمثيلية والقضاء ونقابة المحامين، في مصر، والصحافة العربية المهتمة بقضايا الفن وأخبار النجوم، والصفحات الفنية في كبريات الصحف العربية، ومثلها في الإعلام المشاهد والمسموع، بسبب ثوب يكشف ساقي ممثلة في مهرجان لا يمكن تسميته بالمهرجان العام، ولا هو يمت أصلاً للواقع بصلة، شأنه شأن كل مهرجانات السينما في العالم، حيث تتسابق دور الأزياء الشهيرة ومصممو الملابس على عرض آخر إنتاجاتهم على أجساد المشاهير لتلقط عدسات المصورين والبباراتزي، صوراً للنجوم وهم يقومون بعرض هذه الأزياء على السجادة الحمراء، وهو بكل حال جزء من مهنة النجوم والنجمات، فموسم مهرجانات السينما في العالم ينتظره مصممو الأزياء مثلهم مثل صناع السينما، ولا تشذ مهرجانات السينما العربية عن هذه القاعدة أيضاً، إذ لطالما كانت هذه المهرجانات فرصة لعرض آخر ما أنتجه المصممون العرب، لاسيما مع انعدام حفلات عروض الأزياء كالتي تقام في أوروبا، ومع عدم وجود عارضات شهيرات مختصات بهذا الأمر، فتلعب نجمات السينما هذا الدور في المهرجانات، وهو دور يشبه أي دور سينمائي آخر، فقد تقوم ممثلة ما بدور سينمائي ترتدي فيه ملابس البحر في فيلم يعرض في دور السينما ويشاهده الجميع، لن يعترض أحد على لباس الممثلة في الدور، لباس الممثلات في المهرجانات هو تماماً هكذا، كما لو أن النجوم يؤدون أدواراً وتصورهم عدسات الكاميرات، ويشاهدهم المتابعون عبر الشاشات، لم ترتد الممثلة المعنية ثوبها في الشارع، ولم تظهر به في الأسواق أو المولات، هي مناسبة سينمائية خاصة، في مكان خاص، تماماً كما لو أنها تصور فيلماً لها. عالم السينما والنجوم عالم خاص جداً، وله صحافته الخاصة، فأن يتجند الإعلام بأكمله للحديث عما اعتبره فضيحة، فهنا الكارثة الكبرى، في بلاد تأكلها الحروب والفقر، وتبيع النساء فيها أنفسهن مقابل لقمة عيشهن، ويتاجر فيها نخاس البشر بكل القيم الممكنة، في بلاد يكاد الجوع والأمراض تفتك بنصف سكانها، في بلاد تقتل معارضي سياسات أنظمتها بأبشع وإحدى وسائل القتل والإجرام، في بلاد تدفع للغرب (خوة) حقيقية كي يصمت عن انتهاكات حكامها وأنظمتها ضد الشعوب، في بلاد يأكل أبناؤها بعضهم البعض لصالح زعماء الطوائف والمذاهب والمال، في بلاد يعيش أكثر من نصفها في الجهل والأمية والتخلف، في بلاد يتسرب الملايين من أطفالها من التعليم ويتشردون في الشوارع يتسولون، أو يعملون لصالح مافيات تجارة الأطفال، في بلاد يحاصر حكامها دول أخرى جواً وأرضاً وبحراً، بسبب نزوات سلطوية دون أن يكون في حسابها مصير شعوب هذه الدول، في بلاد يجب أن تخجل أصلاً من صور قتلاها تحت الأنقاض، وصور أطفالها الشبيهة بالهياكل العظمية، وصور استعراضات القوة لدول أجنبية تحتلها علناً وصراحةً، وصور الجوع الذي يسببه الانهيارات الاقتصادية المتلاحقة، والسياسات الاقتصادية الفاشلة، وصور الشباب المنتحرين يومياً بسبب اليأس وفقدان الأمل، وصور الغرقى الذين يأكلهم البحر في طريقهم للهروب من هذه البلاد الملعونة، لو كان ثمة قيم وأخلاق وشرف يجب الدفاع عنه والاحتجاج على انعدامه، فيجب أن يكون بسبب كل ما سبق، وليس بسبب ثوب عديم الذوق ارتدته ممثلة مغمورة لم يسمع بها أحد! أنيبونا مناب الثوب العاري أيها السادة، واحتجوا على ما نعانيه من قهر وموت يومي، واعتبروا موتنا العلني عرياً يثير حفيظتكم وحفيظة أخلاقكم وسمعتكم وقيمكم، لنصدق حرصكم على شرف بلادنا التي تبيعنا كل لحظة في أسواق النخاسة السياسية.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران