كتاب وأراء

التنكر لحق العودة ينسف «صفقة القرن»

أكدت مصادر أميركية و«إسرائيلية» متطابقة بأن الإعلان الرسمي عن مشروع ما بات يُعرف بـ«صفقة القرن» سيتم مع مطلع العام القادم 2019 بعد مطمطة امتدت لنحو عام كامل، حيث لم تكن الأجواء مهيأة لطرحها رسمياً وفق تقديرات واشنطن. من جهتي كمتابع سياسي في الساحتين الفلسطينية و«الإسرائيلية»، اعتقد بأنَّ المطمطة ستمتد خلال العام القادم مرة تلو مرة، ولن يتم طرح المشروع الأميركي مباشرة، فالحيثيات القائمة على الأرض تؤكد أن مصير المشروع إياه مازالت تكتنفه حالة من الغموض، خصوصاً في ظل الإجماع الوطني الفلسطيني على رفض المشروع برمته، كذلك تحفظ بعض الدول العربية نظراً للأخطار التي يحملها تجاه مستقبلها. في هذا الإطار، إن مسألة حق العودة تشكل عملياً واحدة من العقبات الكبرى التي تعترض مسار المشروع الأميركي، والمقصود هنا حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين الذي هجروا من ديارهم في العام 1948 ويمتد ذلك إلى أبناء اللاجئين وأحفادهم الذين تصل أعدادهم اليوم إلى ما يقارب ستة ملايين ونصف المليون لاجئ فلسطيني وفق سجلات وكالة الأونروا، وهي سجلات موثوقة جداً، لا يطالها الشك بأي حالٍ من الأحوال. فلاجئو فلسطين هم أولئك الأشخاص الذين كانت فلسطين هي مكان إقامتهم الطبيعي خلال الفترة الواقعة بين يونيو 1946 ومايو 1948، والذين فقدوا منازلهم ومورد رزقهم نتيجة نكبة العام 1948، وعمليات التطهير العرقي التي قامت بها العصابات الصهيونية على أرض فلسطين التاريخية. تقزيم أعداد لاجئي فلسطين، والتقليل منها، لا يفيد الإدارة الأميركية في طرحها لمشروع التسوية، ولا يخدم مسار عملية التسوية المأزومة أصلاً، والغارقة في موتها السريري منذ سنواتٍ طويلة. فالتشكيك الأميركي بأعداد اللاجئين الفلسطينيين لا قيمة قانونية له ولن يغيّر من حقيقة الواقع شيئاً، فتحديد أعداد اللاجئين الفلسطينيين من صلاحيات وكالة الغوث الدولية (الأونروا) التي تحظى بثقة أغلبية دول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة. حقيقة، إنَّ واشنطن، وإدارة الرئيس دونالد ترامب، تسعى لتضليل دول العالم والترويج لمعلومات غير صحيحة لتبرير سياستها ومواقفها التي تتقاطع مع المواقف «الإسرائيلية» الرافضة لحق العودة للاجئي فلسطين، والساعية لطمس هذا الحق وحلال حلول التوطين والتهجير بدلاً منه. ووفقاً للقوانين والأعراف الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها وغيرها من الاتفاقيات الدولية فإن من أجبر على ترك وطنه بالإكراه أو التهديد.. له الحق في العودة إلى موطنه الأصلي متى يشاء دون عراقيل، ومن يعطّل تاريخياً تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بصدد القضية الفلسطينية، ويعرقل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم هي حكومة «الاحتلال الإسرائيلي»، التي ترفض الانصياع لقرارات الشرعية الدولية مدعومة من الإدارة الأميركية التي تتنكر من خلال ما تسميه بمشروع «صفقة القرن» لحق الشعب الفلسطيني المشروع في العودة بل وتسعى لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948 طبقا لما ورد في القرار 194، حق محفوظ ومصون بالقانون الدولي، وما ينادي به الشعب الفلسطيني بحقه في العودة ليس مطلباً مستحيلاً أو خيالياً بل مطلباً واقعياً وممكناً. هنا يترتب على الإدارة الأميركية، أن تعي جيدا أن مدخل علمية لسلام ومفتاح نجاح أي تسوية نهائية للسلام هو تطبيق القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومن يظن أن منظمة التحرير الفلسطينية أو أي من فصائل العمل الوطني ستتخلى عن حق العودة فهو يعيش في الوهم وفي دروب الخيال.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان