كتاب وأراء

في المكسيك .. مشهد يسعد الشعب

في العقود الأخيرة.. ظل المراقبون يستخلصون متغيرات كثيرة في فضاء السياسة إقليمياً ودولياً، وضمن تلك المتغيرات باتوا يستشفون، أن السياسة تغير مفهومها؛ فصارت تشمل جميع تفاصيل حياة الناس. في التأمل لمسارات سياسية محددة مسرحها الساحة المكسيكية، استوقفتني تفاصيل نقلتها (وكالة الأنباء الفرنسية) في تقرير إخباري عن«فتح أبواب المقر الرئاسي الفاخر في المكسيك لعامة الناس». ويروي التقرير بعض ملامح التغيير السياسي الجديد بالمكسيك على النحو التالي: شهد مقر الرئاسة المكسيكية ليلة الجمعة (30 نوفمبر 2018) حفل استقبال ملك إسبانيا، وبعد ذلك بساعات فتح المقر أبوابه على مصراعيها لاستقبال عشرات آلاف المواطنين المكسيكيين لزيارة الغرف الفاخرة التي أذهلتهم، في بداية حقبة جديدة لحكم الرئيس اندرس مانويل لوبيز اوبرادور. والرئيس الجديد هو يساري مناهض للمؤسسة السياسية التقليدية، اشتهر برفضه لمغريات السلطة. فقد خفض راتبه بنسبة 60 %، وعرض الطائرة الرئاسية للبيع، وأزال الحراسة الرئاسية وتخلى عن المقر الرئاسي، لوس بيوس، واختار أن يقيم في منزله المتواضع، ولكنه لم يقف عند ذلك، فقد فتح أبواب مقره الرئاسي أمام العامة. إن التجارب السياسية عبر مختلف قارات العالم تشتمل حالياً على جهود متفرقة هدفها تطبيق المفاهيم الجديدة للسياسة بحيث تصبح السياسة هي «ما يهم الناس». نتذكر بهذه المناسبة أن شعاراً رئيسياً تردد في الدول التي شهدت الربيع العربي ارتبط بتحديد أن المهم هو ما يريده الناس.. ذلك الشعار في ساحات عرفت أنظمة قمعية غير مسبوقة يتلخص في كلمات قليلة لكنها كانت كافية لتغيير الأوضاع ببلدان الربيع العربي.. هو شعار يقول «الشعب يريد تغيير النظام»! ظل الاحتكام إلى الديمقراطية في عصرنا الحديث يمثل صمام الأمان لحماية المجتمعات من الاستبداد. في الواقع السياسي العام تظل خيارات التواصل الحقيقي مع الجماهير هي التجسيد لأرقى القيم. ومن المهم القول إنه في عصرنا الحاضر فقد أتاحت ثورة المعلومات تبادل أفضل الأفكار سواء في ميدان السياسة أو الاقتصاد أو في قضايا الحقلين الاجتماعي والثقافي. إن إنصات الحكومات للمطالب الحيوية وذات الأولوية التي تستشعرها الشعوب يجسد أفضل الخيارات للوصول إلى معدلات إنجازات متفردة. إن ما تعانيه بعض الساحات السياسية من توترات لا مبرر لها؛ لأنها ناجمة عن محاولات الانفراد بالسلطة واحتكار صنع القرارات الحيوية. إن ظاهرة الاستبداد السياسي كلفت المجتمعات الإنسانية أثماناً باهظة.. لهذا فإنه من الضروري أن تكثف مؤسسات الشرعية والمنظمات الدولية والإقليمية من جهودها للنظر في كيفية حماية الشعوب من «مغامرات الديكتاتوريين». لقد آن الأوان لتعميق مفاهيم حقوق الإنسان وقيام تحالف سياسي ودبلوماسي عريض لتحويل حياة المجتمعات والأفراد إلى الأفضل من خلال تجنيب الشعوب مآسي أن يتحكم في قرارها الديكتاتوريون الذين لا يحفلون مطلقاً بمطالب المجتمعات، ولا يعنيهم أن تنال الشعوب حقوقها المشروعة في الحرية والكرامة والديمقراطية.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي