كتاب وأراء

وطنية أم تبرير للطغيان؟

تعتبر الوطنية المفهوم الأهم للتعبير عن ارتباط الفرد بالجماعة في المجتمعات الحديثة، وتُجمع التعريفات الكثيرة للمفهوم على أن جوهر الوطنية هو حالة من الانتماء الايجابي تنبع من مشاعر المرء تجاه بلاده. تميّز دراسات علم النفس الاجتماعي (كما نجدها عند تيودور أدورنو) بين تصوّرين للوطنية أحدهما يمكن وصفه بالوطنية الزائفة والتي تقوم على انتماء أعمى وانسجام عفوي مع أساليب المجموعة المهيمنة ورفض كل من يخالفها ونعته بالخيانة والتحريض ضد حاملي الجنسيات الأخرى لأسباب مختلفة والوطنية الصادقة بما تقتضيه من حب للوطن وانتماء للقيم المجتمعية القائمة على وعي نقدي. وتوظف بعض الأنظمة مفهوم الوطنية بمعناه الزائف من اجل تحشيد الرأي العام دفاعا عن مواقف أو قرارات غير صائبة أو خيارات كارثية في بعض الأحيان ويمكن أن نجد في المنطقة العربية نماذج مختلفة لمثل هذا التوجه على النحو الذي حصل إثر انكشاف جريمة اغتيال خاشقجي حيث عمدت حشود «الذباب الالكتروني» إلى المبالغة في الحديث عن الوطنية وعن السعودية العظمى لتبرير جريمة غير أخلاقية وتجاوز سلطوي فادح. فالتركيز على البعد الوطني وجعله مطابقا لصاحب السلطة وتسخير كل وسائل الدعاية من اجل تبرير تصفية الخصوم السياسيين لا يمكن اعتباره وطنية بقدر ما هي محاولة لتمرير رسالة إلى الجمهور العام أن جرائم الحاكم ينبغي قبولها مهما كانت وحشيتها تحت شعار خدمة الوطن، وهو نفس التوجه الذي نجده لدى الإعلام المصري اثر الانقلاب العسكري وما حصل من تصفيات جماعية في اعتصام رابعة. إن هذه الوطنية الزائفة تدفع إلى استحداث عداوات وهمية مبنية في أحيان كثيرة على خلافات سياسية عابرة وإلا كيف يمكن تفسير حالة الاستنفار في السعودية والإمارات ضد شعب شقيق يشتركان معه في الأسس القيمية والجوار الجغرافي والأصول التاريخية في مقابل السعي إلى التحالف مع عدو استيطاني يهدد المنطقة كلها بأطماعه التوسعية. إن الوطنية الحقيقية في صورتها البنّاءة تقوم على نوع من الولاء النقدي القابل للتغيير في اتجاه ايجابي ويدعم البحث عن بدائل ممكنة من اجل مزيد من التعاون والتصالح مع الآخرين، ومن هذا المنطلق ندرك لماذا تعمد بعض الأنظمة إلى إقصاء الوطنيين الحقيقيين لمصلحة انتشار وهم الوطنية المزيفة، ألم تتم تصفية جمال خاشقجي الذي لا يمكن وصفه إلا بكونه وطنيا صادقا كان يخشى على بلاده من الانهيار بعيدا عن خيارات سلطوية مزاجية؟ ألم يكن اعتقال الشيخ سلمان العودة جزء من محاولة إسكات كل صوت وطني حقيقي يؤمن أن الارتباط الأخوي بين شعوب المنطقة هو الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه السياسات الناجحة؟ إن التمييز بين الوطنية البناءة باعتبارها دليلا على الايجابية والسعي نحو المشاركة السياسة بشكل فعّال فإن الوطنية الزائفة ترتبط بالتحلل من الانتماء السياسي والاكتفاء بالارتباط بشخص الحاكم، وتكشف دراسات علم النفس الاجتماعي أن الوطنية العمياء تتمخض عن سياسات محددة في ظروف تاريخية معينة حيث تختفي عندما تعود البلاد إلى وضعها الطبيعي وتسلك سياسات معتدلة واقل عدوانية وطيشا.
بقلم: سمير حمدي

سمير حمدي