كتاب وأراء

هل نحن نتدرب على قبول الاختلاف؟

مع كل مقال أو كتابة تدافع عن حق المواطن العربي بالتمتع بحريته الفردية، يتعرض كاتب المقال إلى سلسلة من الشتائم، تبدأ دون أن يكون لها نهاية، شتائم تطال سمعته، وسمعة عائلته، وتتعرض لشرفه وأخلاقه، وذريعة الشتائم دائماً، أن الكاتب يروج للفسق والفجور في المجتمع، ويدافع عن الزندقة والمجون والانحلال، وهو حتما مأجور وهناك، في الخارج، (الذي يتحمل دائما مسؤولية ما نحن فيه)، من يدفع لهذا الكاتب أموالا كثيرة مقابل ترويجه للرذيلة، وطبعا لا يكترث الشاتمون بكمية الفجور الكامنة في شتائمهم، ولا بكمية الفسق التي تنتشر في اللغة المستخدمة من قبلهم، هم يرون أنفسهم يدافعون عن أخلاق المجتمع، أما كيف يدافعون وبأية لغة، مهما كانت لغة منحطة، فهذا لا يهم! شيء يشبه تماما ما يفعله المدافعون عن الأنظمة العربية التي ثارت عليها شعوبها، هؤلاء أيضا يتهمون الثائرين بأنهم عملاء ويقبضون ثمن مواقفهم من جهة ما، أما لماذا لا يخطر لهم أن نفس التهمة يمكن أن تقال عنهم، أي أن الأنظمة التي يدافعون عنها باستماتة تدفع لهم مقابل شتم من هم ضدها، فهذا لا يعلمه إلا الله تعالى. من أين تأتي الثقة لدى من يشتمون الآخرين على آرائهم ومواقفهم، إنهم هم يملكون الأخلاق والشرف أو الوطنية والانتماء، وإنهم بسبب هذه الملكية الادعائية يملكون أيضا حق شتم الآخرين واستباحة سمعتهم وشرفهم وأخلاقهم ومبادئهم، من أين تأتيهم الثقة إنهم على حق بما يفعلون ويقولون، وأنه لا توجد وجهة نظر أخرى في الحياة يمكن أن تكون صحيحة، أو يمكن حتى النقاش حولها؟! من يتابع النقاشات على السوشيال ميديا العربية حول أي قضية، سوف يرى العجب من قبل المجموعات التي تتناقش حول أي قضية مثارة، سواء كانت قضية تتعلق بحق فردي أو شخصي، أو قضية عامة، المتناقشون، في مختلف اتجاهاتهم، يستخدمون لغة واحدة، هي لغة الشتائم والتخوين، فإذا ظهر بين الشتائم المتتالية أي رأي موضوعي وعلمي ويناقش الفكرة الأساسية، فإما أنه يشتم من الطرفين، أو يمر مرورا عابرا دون أن يلقي أحد بالا عليه، تماما كما يحدث مع المنشور أو المقال الذي أثيرت حوله كل تلك الشتائم، إذ تبدأ الفكرة بالاختفاء، لصالح الخلاف المستفحل، فجأة تصبح الفكرة بعيدة وكأنها غير موجودة ويصبح الخلاف بين الأشخاص هو المحور وهو المهم، وللأسف لا يمكن حصر هذه الخاصية بشعب محدد أو بفئة محددة، لا عمرية ولا دينية ولا ثقافية، هي صفة عامة لدى شعوبنا العربية، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بإبرازها إلى العلن، مثلما ساهمت الخلافات حول الربيع العربي ومآلاته الكارثية، والانقسامات المذهلة التي ظهرت معه، بإبراز حقيقتنا كشعوب ليس لديها منهج في النقاش أو الخلاف والاختلاف، سوى المنهج الغرائزي القطيعي، الذي اشتغلت الأنظمة العربية الأمنية على تعزيزه عبر سنوات طويلة من الجهد الدؤوب أوصلنا إلى ما نحن فيه. شيء آخر يمكن ملاحظته، أيضا ساعدت السوشيال ميديا على الانتباه إليه، اننا، في معظمنا، شعوب تقرأ ما يكتب قراءة أحادية، بمعنى أننا نقرأ منشورا أو مقالا أو خاطرة ما، ونحيلها مباشرة إلى وجهة نظرنا أو قناعتنا الشخصية، أو ما نؤمن به من أيديولوجيا ما، ونحاكم الكتابة والكاتب بناء على هذه القناعة، أو نختار من مقال ما فقرة تتعارض مع إيماننا ونترك باقي المقال ونبدأ بغير بشن الهجوم، وكأننا نخشى أن يغير ما نقرأ من قناعاتنا، فندفع عنا هذا الخوف بالهجوم المباشر والاعتراض والشتم، دون أن نناقش حتى بيننا وبين أنفسنا الفكرة المطروحة، هذا أيضا سببه الانعدام الكامل لمناخ الاختلاف والعمل السياسي والمدني والحراك الفكري في بلادنا عبر عقود طويلة، تم خلالها تجريف هذه المجتمعات من كل ما يمنح العقل العربية منهجية طبيعية في النقاش والاختلاف، لصالح الغرائزية والقطيعية كما أسلفنا. هل ما يحدث الآن، خلال هذه السنوات الدموية التي نمر فيها نحن العرب، هو تدريب على ما افتقدناه خلال العقود الطويلة الماضية؟! نأمل أن يكون كذلك فعلا، وأن يؤدي كل هذا إلى خلق أجيال عربية جديدة تتقبل الرأي الآخر وتتعامل معه بوصفه حقيقة أخرى يجب النقاش حولها، وإلا فنحن ماضون نحو المزيد من الكوارث.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران