كتاب وأراء

لــســــان الــعــــرب 21

نعني بهذا المعجم معجماً بسـيطاً يشرح الكلمات حسـب المفاهـيم السائدة التي يحتاجها الكاتب، ونترك الشروحات الأخرى في المعاجم القديمة لهواة الشعر والأدب.
لنأخذ الجذر «حرف» مثلاً، ما الذي يهمنا من اشتقاقاته ومعانيها؟ أول المعاني حرف الكتابة كالباء والسين والياء والجيم وغيرها، ثم الحرف كأحد أقسام الكتابة، والكلمة اسم وفعل وحرف، وهذه هي القاعدة الأولى في النحو العربي. ويهمنا الحرف بمعنى أحد أوجه قراءة القرآن الكريم لقوله صلى الـلـه عليه وسلم «نزل القرآن على سبعة أَحْرُف كلُّها شافٍ كافٍ» وليس معناه أَن يكون في الحرف الواحد سبعة أَوجُه، فبعضه بلغة قُرَيْشٍ، وبعضه بلغة اليمن، وبعضه بلغة هوازِنَ، وبعضه بلغة هُذَيْل، وكذلك سائر اللغات ومعانيها.
والحرف هو الحد فـمثلاً حرف السكين: حدها، وحرف الورقة حافـتهـا والجمع حروف. ويهـمنما أيضاً «الحرفة» أي المهنة، ويلحق بها فعل احترف، وصرنا حديثاً نقول «محترف» في مقابل الهاوي، ويهمنا أيضاً «انحرف» أي حاد عن السواء أو مال عن شيء.
ماذا يهمنا من «الحُرْفُ» الاسم من قولك رجل مُحارَفٌ أَي مَنْقُوصُ الحَظِّ لا ينمو له
مال؟ وماذا يهمنا من المِحْرَفُ والمِحْرافُ: المِيلُ الذي تقاسُ به الجِراحات، أو المِسْبارُ الذي يُقاسُ به الجُرح؟ وماذا يهمنا من أن «حارَفـَه» تعني فاخـَرَه؟ وأن «الحُرْف» حَبُّ الرَّشاد، وهو حبٌّ كالخَردل. أو أن «الحَرْف» من الإبل: النَّجيبة الماضية التي أَنضَتها الأَسفار، أو هي الناقة الضامرة؟
} عندما تقرأ أو تسمع كلمة «سَقـَـر» ما الذي يتبادر إلى ذهنك؟ أول ما يتبادر إلى الذهن أنه أحد أسماء جهنم، وقد ورد الاسم أربع مرات في القرآن الكريم، واحدة في سورة القمر وثلاث في سورة المدثر (الآيات 26 – 29) قال تعالى «سأصليَه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر، لوّاحة للبشر» ثم في السورة نفسها «ما سلككم في سقر» (42). هل تهمك المعاني الأخرى للكلمة واشتقاقاتها وهي غير واردة مطلقاً في كتاباتنا أو أحاديثنا الآن؟
هل يهمك مثلاً أن تعرف أن «السَقـْرَ» هو الصقر، وهو البعد أيضاً؟ وأن العرب قالوا: سقرته الشمس تسقُرُه سقـْراً: لوَّحَته وآلمت دماغه بحرّها؟ وأن سقـَرات الشمس: شدة وقعها؟ وأن اليوم المُسْمقِرّ والمصمقر هو اليوم الشديد الحر؟ وأن السَّاقور: حديدة تحمى ويكوى بها الحمار؟ وأن السَّقـّار: اللَعَّانُ الكافر؟ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يسكن مكة ساقُور ولا مشَّاءٌ بنميم. وقد تأتي السقار بالصاد أي الصقـّار، وتأتي الساقور بالصاد أيضاً، وهو في الوقت نفسه المعول الذي تضرب به الصخر.
وذكر السقّارون في حديث آخر وجاء تفسيره في الحديث أَنهم الكذابون، قيل: سموا به لخبث ما يتكلمون. قال صلى الله عليه وسلم: لا تزال الأُمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم الخُبْث، وتظهر فيهم السَّقَّارَة، قالوا: وما السّقَّارة يا رسول الله؟ قال: بشرٌ يكونون في آخرالزمان يكون تَحِيَّتُهم بينهم إذا تلاقوا التَّلاعُن.
} نقول «هدَّ الجدار» أي هدمه، فالهدّ هو الهدم، وقد استعمل الفعل مجازاً للإنسان فقالوا «هـدّه الزمان» إذا توالت عليه المصـائب، أو تسمع من يقول: هَدَّني الأَمرُ وهدَّ رُكْني إذا بـلغ منـه وكسَـره، حتى العامة يقـولون «انهـدّ حـيلي» وهـذا كلام فـصيح، ونقـول «هدّده» أي توعَّـده، ولا تكون إلا بشرّ، ومنه «التهـديـد والوعيد». ونعرف «الهُدهُد» وأشهر «هدهد» هو الذي ذكر في القرآن الكريم في قصص سليمان عليه السلام، ونعرف «الهدهدة» والأم تهدهد ابنها حتى ينام. ولكن!
هل يهمنا أن نعرف أن «الهَدّة» صوت شديد تسمعه من سقوط ركن أَو حائط أَو ناحية جبل؟ أو أن نعرف أن «هَدُّ البعير» هَدِيرُه؟وأن «الهَدَّ والهَدَدَ»: هو الصوت الغليظ؟ وأن «الهادَّ» صوت يسمعه أَهل السواحل يأْتيهم من قِبَل البحر له دَوِيٌّ في الأَرض، وما سمعنا العامَ هادّةً أَي رَعْداً؟ أو أن «الهَدَّ» من الرجال: الضعيف البدن، وأن «الأَهَدَّ» هو الجبان؟ ويقول الرجل للرجل إذا أَوعده: إني لغيرُ هَدٍّ: أَي غيرُ ضعيف. والأكثر من هذا ما قاله بعض علماء اللغة: الهَدُّ من الرجال الجَوادُ الكريم، وأَما الجبان الضعيف، فهو الهِدّ. وأن «الهَدِيدَ والفَدِيدَ» الصوتُ. وأن «الأكمة الهَدود» هي التي تكون صعبة المنحدر، أو أن الهَدود: العقبة الشاقة، وأن «الهديد» هو الرجل الطويل. وأننا نقول «إنه لـَهَدّ الرجل» كأننا قلنا: إنه لنعم الرجل ولكن في الجَلد والشدة، وقالوا: ما أهَدَّه أي ما أشدَّه. أو أن نقول: مهْلاً هَدادَيك: أي تمهل يكفيك. أو أن نقول: هدهد الطائر: أي قـَرْقـَر، وكل ما قرقر من الطير هُدهُد وهُداهد. أو إننا نقول: فحل هُداهد: كثير الهدهدة يهدِر في الإبل ولا يقرعها. وهدهدة الحمام: إذا سمعت صوت هديره. هل يهمنا هذا كله؟
} ماذا نـتذكر عندما يرد الجذر «بيـض»؟ أول ما نتـذكره هـو «البيـاض» أي نقـيض السواد، ومنه الأبيض والبيضاء، ولا يهمنا قولهم «بايضتُه فبـِضْتُه» أي كنت أشد منه بياضـاً، وبالمناسـبة نقـول «البـِيضان والسـودان» كجمع للأبيض والأسـود. ونتـذكر «بيَّض» الشيء أي جعله أبيض، ألا نقول في العامية «بيض الله وجهك»؟ وعندما كانت القدور نحاسية كانوا يطلونها بالقصدير ويقولون «بيَّض القدر» أما في المعحم فإنها تعني: ملأها بالماء أو اللبن، ولا يهمنا هذا الآن. وقبل مدة فرضت السعودية رسوماً على «الأراضي البيضاء» وهذه تسمية فصيحة، ففي المعجم: الأرض البيضاء هي الملساء لا نبات فيها. والبيضة ما ينتجه الطائر وبعض الأسماك والزواحف والجمع بيض، وباضت الدجاجة: وضعت البيض، ويقولون الآن «بيضة القبان» أي المُرجِّح، أي من يحفظ التوازن، لكننا لم نعد نقول: فلان بيضة البلد أو القوم، ولا نقول: بيضة الدار أي وسطها ومعظمها، ولا: بيضة الإسلام أي جماعتهم، ولا: بيضة القوم أي أصلهم.
هل يهمنا مثلاً أن نقول: أباض الكلأ إذا ابيض ويبس؟ وأبْيَضت المرأة وأباضت: ولدت البِيض، وكذلك الرجل. وفي عينِه بَياضة أَي بَياضٌ. أو أن البيّاض هو الذي يُبَيِّض الثياب، على النسب لا على الفعل، لأَن حكم ذلك إنما هو مُبَيِّضٌ. وأن الأبيض عرق السرَّة وقيل: عِرْقٌ في الصلب، وقيل: عرق في الحالب، وأن «الأبيضين» هما الماء والحنطة؟ وقيل: الماء واللبن، وهما أيضا عرْقا الوريد، وهما أيضاً الشحم والشباب، وأن البيضاء هي الشمس، أو إذا قلنا إن فلاناً أبيض وإن فلانة بيضاء عنى هذا نقاء العرق من الدنس. وأن البيضاء حبالة الصائد، وهل يهمنا الآن أن نقول عن الخوذة إنها بيضة؟ وسميت بذلك لأنها تشبه بيض النعام, وأن بيضة السنام شحمته؟ وثمة اشتقاقات كثيرة لا تفيدنا الآن ولا نستعملها.

نزار عابدين