كتاب وأراء

أقوال.. وأفعال

أقوال.. وأفعال

يواجه عالمنا اليوم مجموعة هائلة من التحديات، على أكثر من صعيد، كما هو الحال بالنسبة للنزاعات والفساد وانعدام المساواة وأزمات الهجرة والتنمية وتوفير الفرص الاقتصادية والبيئة السياسية المواتية للتنمية المستدامة ومكافحة الفقر والتخلف، والمحافظة على البيئة، التي تحتاج كلها إلى حلول واتفاقيات ناجعة من المؤسف أننا لانستطيع التنبؤ بوجود حلول واضحة لها.
مؤخرا نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية قائمة بأسماء «30» ألف شخص قضوا خلال رحلات الهجرة غير النظامية التي سلكوها من إفريقيا وآسيا وأوروبا الوسطى على مدار ربع القرن الماضي.
هذه القائمة تكشف عن الحقيقة المرعبة لتصاعد البؤس البشري، ولو أن المجتمعات التي يعيش فيها هؤلاء كانت تتمتع بالحد الأدنى من النزاهة والشفافية والعدالة، لكان هؤلاء جميعا على قيد الحياة.
هذه واحدة من قضايا عدة معقدة يواجهها العالم اليوم، شأنها شأن الإرهاب والتطرف وهي الظاهرة التي أسفرت عن موت أعداد أكبر من البشر دونما ذنب على الإطلاق.
في السابع من ديسمبر الحالي كرم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى ودولة الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا وسعادة السيد يوري فيدوتوف، ممثل الأمين العام المدير العام لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، الفائزين بجائزة سموه «جائزة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الدولية للتميز في مكافحة الفساد»، في نسختها الثالثة، في حفل الجائزة الذي أقيم بمركز بتراجايا الدولي بمدينة كوالالمبور.
يوضح سعادة الدكتور علي بن فطيس المري محامي الأمم المتحدة الخاص بمكافحة الفساد، أنه من خلال هذه الجائزة، يود سموه أن يبعث رسالة إلى أولئك الذين يحاربون الفساد في كل مكان في العالم بأن «هناك من يقف معك، هناك من يرى عملك، هناك من سيأخذ بيدك ليعطيك مثالا يحتذى به، أنتم من تستطيعون إنقاذ بلدكم من الوقوع في فخ الفساد».
لم تكتف قطر بانتقاد الفساد والمفسدين، بل فعلت ما هو أهم بتخصيص جائزة دولية مرموقة للذين يحاربون هذه الظاهرة ويعملون على كشفها للعالم، لأن قطر أدركت مبكرا للغاية أن الفساد هو «أم الخبائث» التي تدمر المجتمعات، والذي نشأت من صلبه الحركات الإرهابية المدمرة، وبسببه رأينا موجات الهجرات تجتاح العالم ليصل عدد الضحايا إلى الرقم الذي نشرته «الغارديان».
بالأمس استمعنا إلى كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح منتدى الدوحة في دورته الثامنة عشرة التي تعقد تحت عنوان «صنع السياسات في عالم متداخل»، بحضور قادة ومسؤولين وصناع قرار وأكاديميين وإعلاميين وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية وقيادات من القطاع الخاص وممثلي منظمات المجتمع المدني، وهو المنتدى الذي أطلقه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، في العام «2000» بوصفه منصة حوار عالمية في مطلع الألفية الجديدة، حين بشرت الأمم المتحدة بمبادئ عهد جديد من التعاون الأممي.
كان العالم حينها يتلمس طريقه من أجل إحداث تغيير له مغزاه يدرأ خطر وقوع مذابح وحروب جديدة، فجاء المنتدى في وقته لمساعدة صناع القرار في الوقوف على الحلول الملائمة للتخلص من أعباء تلك المرحلة وبدء أخرى جديدة مختلفة كليا.
بعد ثمانية عشر عاما، هي عمر هذا المنتدى، تبدو الصورة مشوشة، وكما أوضح صاحب السمو فقد توالت التحديات والأزمات في العالم من أحداث 11 سبتمبر وانتشار ظاهرة الإرهاب والعنف والتطرف، إلى الأزمة العالمية لأسواق المال وظاهرة التغير المناخي والاحتباس الحراري، وانتقلنا من الحديث عن المواطنة العالمية إلى القلق من تسييس رهاب الأجانب عبر الحركات الشعبوية التي تحشد الجمهور على أساس الانتماءات الإثنية القطرية والدينية والطائفية، كما انتقلنا من التفاؤل بعولمة الأسواق وإلغاء الحدود إلى التعامل مع السياسات الاقتصادية الحمائية، كما عادت النزعات الاقصائية والشمولية تجتاح عالمنا وأنتجت أنظمة لا تعترف بأبسط حقوق الإنـسـان.
من المؤسف أن الشرق الأوسط كان الأكثر تأثرا بهذه الانتكاسات العالمية، بل إنه تحول إلى «مختبر» لمواجهات أخذت طابعا مختلفا انعكس على قضاياها وزاد من تأزمها، بدءا بالقضية الفلسطينية إلى ثورات الربيع العربي التي حاولت الجماهير العربية من خلالها استعادة كرامتها المهدورة، وصولا إلى مشكلات الهجرة والبطالة والإرهاب.
النزعات الاقصائية والشمولية التي اجتاحت العالم، تبدّت أكثر وضوحا في عالمنا العربي، فتزايد القمع وارتفعت وتيرة الاستبداد وطغى الظلم وانتشر القمع، وصار واضحا أن المنطقة والعالم بحاجة ماسة إلى منصات للتواصل وتبادل الآراء في بيئة حرة للجميع على اختلاف انتماءاتهم الفكرية ورؤاهم السياسية، وكما أوضح صاحب السمو فإن منتدى الدوحة يشكل مثالا على ذلك، عبر الاحتفاء بالحوار والتواصل باعتبارهما الوسيلة المثلى لجسر الهوة بين المختلفين، وكما قال سموه، حفظه الله، فإن الحوارهو نقطة الابتداء ونقطة الانتهاء في هذا الزمن الصعب.
في الحديث عن الحوار كان لابد من التطرق للأزمة الخليجية المستمرة، وقد أوضح سموه أن موقف قطر لم يتغير وهو أن الحل يكون برفع الحصار وحل الخلافات بالحوار القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فمسألة التعايش وحسن الجوار بين الدول منفصلة عن أية قضايا أخرى.
تمثل الأزمة الخليجية مثالا واضحا على ما آلت إليه الأمور في عالمنا العربي، بسبب النزعات الاقصائية والشمولية التي اجتاحت العالم بأسره وكان لنا نصيبنا منها للأسف الشديد، وهي النزعات التي اعتقدنا أنها أصبحت من الماضي قبل أن نكتشف بأنها مازالت باقية بل أخذت أبعادا أخطر وأعنف.
لم يقدم صاحب السمو في كلمته الهامة صورة لما هو سائد فحسب، بل اقترح أيضا الحلول المناسبة لتجاوز الأزمات الراهنة عبر العودة إلى القيم الجامعة في مواثيق الأمم المتحدة ومبادئها والهادفة إلى حفظ الأمن والسلم الدوليين واللجوء إلى الحوار والوسائل السلمية لحل المنازعات ورفض ضم أراضي الغير بالقوة، وحق تقرير المصير للشعوب، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورفض كافة أشكال العنصرية والتمييز، واحترام حقوق الإنسان والمواطن والتمسك بقيم العدالة والمساواة ونبذ التطرف والإرهاب وتعزيز التعايش السلمي والتعاون الدولي.
هذه هي الوصفة الصحيحة للخروج من النفق المظلم الذي تواجهه البشرية اليوم، ومنطقتنا العربية بشكل خاص، وطالما استمر عجزنا عن مواجهة الحقائق والعودة إلى ما سبق واحتكمنا إليه فإن الصورة ستكون أكثر سوادا مع ما يعنيه ذلك من تكريس للظلم والعدوان والمواجهات التي اعتقدنا أننا انتهينا منها.
آخر نقطة..
لم تكتف قطر في يوم من الأيام بتقديم النصح، على أهميته، بل عملت بدأب من أجل إرفاق أقوالها بالأفعال، لذلك لم يكن غريبا أن ينعقد منتدى الدوحة بعد أيام على توزيع جوائز الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الدولية للتميز في مكافحة الفساد وتكريم المتميزين في هذا المجال، وهي أيضا لم تكتف بتقديم الجوائز، وشد أزر محاربي الفساد، بل عملت جاهدة لتدمير بؤر التخلف والجهل بتقديم المنح التعليمية لإنقاذ الشباب من مخالب الفقر والحاجة وجعلهم في منأى عن الوقوع في براثن التطرف والإرهاب.
هذه هي فحوى السياسة القطرية ومحاورها وركائزها، حيث ترفق الأقوال بالأفعال وتلتزم بالمبادئ من أجل مجتمعات آمنة ومستقرة، مع الإيمان بالحوار لحل أي خلاف مهما كان.. فتوالت عليها الإنجازات والمكاسب في كل زمان ومكان.
بقلم: محمد حمد المري

محمد المري