كتاب وأراء

الفساد الخليجي

أكتب اليوم عن نوع خاص من الفساد، يختلف عن الفساد العام المعروف في أدبيات مكافحة الفساد في العالم، هو: الفساد الخليجي المرتبط باقتصاد الريع، وثقافته، وعقليته، وسلوكه الاجتماعي، ونظامه السياسي. الريع، عزز التفرد في اتخاذ القرار العام، وأسهم في خلق نمط من الفساد المسكوت عنه، رغم كثرة الحديث عن الفساد المستشري في دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة. يقسم الباحثون الفساد إلى: فساد كبير، يتعلق بالعمولات الكبيرة في المشاريع والصفقات الكبيرة، يحصل عليها متنفذون، عبر الشركات الدولية عابرة القارات، وفساد صغير، يتعلق بدفع رشاوى لموظفين رسميين من أجل تخليص معاملات معينة أو خدمة بالمخالفة للقانون، وهو النمط السائد للفساد في معظم الدول العربية، وبخاصة ذات الكثافة السكانية والدخل المنخفض، وهذان النوعان من الفساد، يمكن رصدهما عبر مؤسسات الشفافية الداخلية، وتقارير مدركات الفساد من منظمة الشفافية العالمية، لكني أزعم أن فساداً آخر، هو الفساد الريعي الخليجي، فساد خارج عن تقارير مدركات الفساد الدولية، ولذلك نجد دول مجلس التعاون تحتل مرتبة الدول الأقل فساداً عربياً، والإحدى والثلاثين دولة الأقل فساداً عالمياً. دعونا نتساءل: لماذا يستعصي، الفساد الريعي الخليجي، على مقاييس الفساد الدولي؟! والإجابة ببساطة: لأنه فساد مقنن، ومقبول اجتماعياً، ولا يثير استنكاراً مجتمعياً، وهذا في تصوري: أخطر أنواع الفساد المُهلك للمجتمعات والدول، إذا تغلغل في بنيان النسيج المجتمعي، وأزعم أن في هذا الفساد البنيوي الترفي، جاء التحذير القرآني الشديد (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) تجليات الفساد الخليجي: 1- إفساد مفهوم المواطنة: ربما لا يكون أخطر نتائج الفساد الخليجي، هدر المال العام والخاص، وضياع فرص التنمية، وشراء الولاءات، وإفساد الذمم، ولكن أخطر مظاهره، ذلك الخلل الفكري والأخلاقي والنفسي الذي يصيب المواطن الخليجي، مثل: انتشار ثقافة تبرر الفساد، وتجد له من الذرائع ما يبرر استمراره في المجتمع، وافتقاد المواطن ثقته في عمله وجدواه ما دامت الدخول الخلفية الناتجة من الفساد تفوق المرتب الذي يتقاضاه، فيتولد لديه مشاعر الإهمال واللامبالاة وعدم الإخلاص، فيتقاعس عن أداء واجبه الوظيفي والمهني والرقابي، كما يفقد ثقته في القانون، كون المفسدين الكبار فوق القانون، وينتج بيئة حاضنة للفساد، وطاردة للكفاءات، تفتقد الرشد في الاستهلاك، وتتباهى بالمظهريات والإنفاق السفهي. ومن ناحية أخرى: فإن هذا الإفساد الريعي يؤدي إلى تهميش دور المواطنين إنتاجياً وسياسياً، في مقابل الاعتماد على عناصر غير مواطنة، وهو الحاصل اليوم في مجتمعات خليجية. وأخيراً: عندما يتمكن الفساد من المواطن، فإنه بدوره يعيد إنتاج الفساد. 2- تفاقم الخلل السكاني: الخليجيون اليوم، أصبحوا أقلية في أوطانهم، وسط هذا التسونامي البشري المتدفق من بلاد الفائض البشري والفقر والمجاعة سعياً وراء الرزق، ولا اعتراض على ضرورة استقدام العمالة (كأمر لابد منه) لتفعيل النمو الاقتصادي، لكن عشوائية الاستقدام وتوظيفها لخدمة المتنفذين وما لابسها من أوجه فساد، كالتجارة في الفيز وتزايد العمالة السائبة، أدت إلى ظواهر سلبية، أبرزها: شعور المواطنين أنهم غرباء، يكادون يقتلعون من جذورهم، طبقاً لعمر هشام الشهابي في كتابه الفذ (اقتلاع الجذور) إضافة: إلى تزايد القلق على الهوية الخليجية، وانتشار مشاعر التذمر لدى قطاع واسع من المواطنين تجاه العمالة الوافدة، كونها تشكل عبئاً مدمراً للمرافق والخدمات، ومشوهاً للسلوك الحضاري، ومهدداً للهوية. 3- تزاوج السلطة برأس المال: عندما منع عمر الولاة من التجارة، وطبق (من أين لك هذا؟) كان يدرك أن التداخل بين السلطة والمال مفسد للمجتمع.
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري