كتاب وأراء

مصر .. صناعة الخوف! - «2-2»

في منطقتنا العربية برعت وتفننت أنظمة القمع والاستبداد في خلق الأعداء وصناعتهم للاستمرار في التسلط والحكم المنفرد، وأفضل مثال على هذا ما وقع في مصر بعد الانقلاب العسكري، حيث خلق السيسي عدواً كان محتملًا بتصريحه هو نفسه في 24 يوليو 2013 بُعَيد انقلابه على الرئيس محمد مرسي ليصبح عدواً مؤكداً، وقد بذل النظام الانقلابي قصارى جهده لإيجاده وتضخيمه، بل القيام بدوره في كثير من الأحيان لو دعت الحاجة لهذا، فلا بد للإرهاب أن يتواجد ويستمر ويتضخم وتزداد دمويته ووحشيته ويرتفع عدد ضحاياه وتتنوع فئاتهم ومكوناتهم الدينية والعرقية وأماكن استهدافهم في أعمالهم ودور عبادتهم، فهذا للنظام بمثابة عصا موسى التي ستبتلع كل مطالب الشعب المصري وتطلعاته، نحن في غمار حرب ضروس فاصمت وإلا فأنت من «أهل الشر» الذين لا يريدون دحر العدو «الإرهاب» فهو العائق الوحيد والسد الذي يحول بيننا وبين الرخاء والخير الوفير الذي يلوح في الأفق. دوامة الإرهاب وطوفان الدم والعنف والعنف المضاد واللا منطقي والشرس من النظام هم طرفا معادلة لا بقاء لأحدهما دون الآخر، فلو انتهى الإرهاب أو انحسر فسيسقط النظام الذي سيفقد الحجة وورقة التوت التي يتغطى بها ويأخذها ذريعة للقتل خارج إطار القانون والاعتقال بالشبهة، عبر نظام قضائي مسيس وموجه بشقيه المدني والعسكري والتصنيفات المبهمة والقضايا الملفقة وغير الواضحة المعالم، ضد أشخاص أبرياء تم إلقاء القبض على الكثيرين منهم والزج بهم في غياهب المعتقلات قبل وقوع أحداث تلك القضايا من الأصل. بدون الإرهاب لا حاجة للقوانين الاستثنائية والإجراءات القمعية والأحكام العرفية ولسنا بحاجة لعقد الصفقات العسكرية وتكديس ترسانة أسلحة لا داعي لها ولا تستخدم أصلاً في مكافحة الإرهاب، وليس من سبب مقنع لتبرير الفشل الذريع والمخزي للنظام الانقلابي في شتى المجالات وعلى كافة المستويات، داخليًا وخارجيًا، ولو سقط النظام القمعي والديكتاتوري، وعمت أسس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وساد القانون، فسيشكل ذلك معاول تهدم أسس بقاء الإرهاب وتنتزع أسباب وجوده وشمسًا حارقة تجفف أوراق منابعه وموارده وتحرقها. لا يوجد أمام الحكم العسكري في مصر إلا أن يستمر في صناعة الخوف فتهم الخيانة، العمالة، التخابر، الإرهاب يجب أن تستمر، لتستمر ملاحقة المعارضين الوطنيين، ولا بد من تواجد الإرهاب وارتفاع وتيرته حسب الطلب وبيد النظام نفسه في كثير من الأحيان ليتمكن من إسكات الشعب عبر الخوف والتهديد والحصول على مباركته وتأييده في قمع وتصفية المخالفين له بشتى الطرق والوسائل، ويبدو أن الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية قد اتفقت أو تواطأت على أن الأمور لا يمكن أن تسير على ما يرام إلا إذا شعرت الشعوب بالخوف والتهديد دائمًا، إنها صناعة الخوف والعدو والإرهاب المفيد وهي الامتداد الطبيعي والمنطقي لقاعدة ميكافيلي «من الأفضل أن يهابك الناس على أن يحبونك»، ومبدأه الأشهر «الغاية تبرر الوسيلة».
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري