كتاب وأراء

الاعتمالات في شبه القارة الهندية

دخلت الهند إلى ميدان الإستراتيجيات الأميركية في القارة الآسيوية في أوقاتٍ متأخرة، وتحديداً بعد العام 1990، وذلك بعد كانت الهند من مؤسسي منظومة دول عدم الانحياز انطلاقاً من مؤتمر باندونغ عام 1955، ودولة ذات سياسات متوازنة جداً طوال عقود زمن الحرب الباردة، لكنها أصبحت منذ بدايات عقد تسعينيات القرن الماضي حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان، ونقطة ارتكاز أميركية مهمة في مواجهة جمهورية الصين الشعبية، وحتى باكستان الحليف التاريخي للولايات المتحدة الأميركية في شبه القارة الهندية منذ نهاية الحرب الكونية الثانية عام 1945.
لقد استغلت واستثمرت واشنطن الخلافات الحدودية بين الهند والصين الشعبية بشأن (جبال همالايا)، وبين الهند وباكستان بشأن منطقة (كشْمِير)، لزيادة تعكير وتخريب العلاقات بين البلدان الثلاثة، ما زاد من التقارب بين الصين الشعبية وباكستان، من بوابة إنجاز مشاريع اقتصادية وَمَمرّ اقتصادي بين الصين والمحيط الهندي عبر كشمير التي تعتبرها الهند أرضاً تابعة لها.
حقيقة، نجحت واشنطن بحدودٍ معينة في تسعير وتأجيج الخلاف الصيني -الهندي، رغم انتماء الصين الشعبية والهند إلى مجموعة (بريكس)، إلى جانب جنوب إفريقيا والبرازيل، وروسيا التي تقوم بمساعي صُلْح بين الدولتين، وتحاول كذلك تَشْرِيك الهند في إنشاء مشاريع تجارية وضمها إلى شبكة أنابيب الغاز التي تعتزم (غاز بروم) تنفيذها بالشراكة مع إيران وباكستان بقيمة قد تفوق ستة عشر مليار دولار، وإدماج الهند في شبكة علاقات طاقة ونقل وتجارة، كمقدمة لزيادة التّكامل الاقتصادي ولصياغة تحالفات جديدة تمتد من روسيا إلى إيران عبر بلدان آسيا الوسطى والهند التي تحتاج إلى الطاقة المُتَوفِّرة لدى بقية الشّركاء، حيث تعتبر الهند مستهلكا ومستوردا كبيرا للطاقة والغاز من إيران ودول الخليج عموماً.
التكتيك الروسي بشأن إمكانية تحييد الهند، أو على الأقل إبعادها عن تأثيرات واشنطن السلبية من وجهة نظرها، يستند إلى تقدير يقول إن الهند وباكستان ستستفيد من طرح مسائل الشراكة الاقتصادية وخاصة في قطاع النفط والغاز، ما يُخَفِّفُ حدة الصراع بينهما، كما بين الصين الشعبية والهند، وهي الصّراعات التي استغَلَّتْها ومازالت تستغلها الولايات المتحدة، وتعزف على وترها لإبقاء تلك المنطقة الحيوية من العالم في حومة الاضطرابات والقلاقل، عدا عن إزعاج المنافس الاقتصادي الجديد لها، ونعني به جمهورية الصين الشعبية، حيث الحرب الضارية بين واشنطن وبكين تحت الجمر المتقد.
في هذا السياق، دأبت الولايات المتحدة على القيام بمناورات عسكرية دورية في خليج البنغال في شبه القارة الهندية، بمشاركة القوات البحرية اليابانية والهندية، حيث تم رفع حجم القوات والآليات المُشَاركة في آخر مناوراتٍ جرت، بسبب «التهديد الذي تمثله الصين على مصالح أميركا وحلفائها» على حد تعبير البعض في (البنتاغون) وزارة الدفاع الأميركية، فيما شاركت الهند بسفينتين حربيتين في مناورات، وتزامنت إحدى تلك المناورات بمشاركة حاملة الطائرات الأميركية (ريغان) المتمركزة في اليابان، وهي أكبر سفينة حربية أميركية في آسيا، وقادرة على حَمل سبعين طائرة مقاتلة، مع استمرار لغة التّهْدِيدات الأميركية ضد كوريا الشمالية والصين وإيران، بل وتصاعدها ضد إيران في الفترات الأخيرة.
وخلاصة القول، إنَّ التطورات تعتمل في شبه القارة الهندية، لكن حظوظ واشنطن لن تكون كبيرة في النجاح، فهناك لاعبون أقوياء ولهم مصالح حيوية لن يتركوها في مهب الريح، وفي مقدمتهم روسيا والصين الشعبية.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان