كتاب وأراء

الجنرال «الأورجانيك»! ـــ «2 – 2»

منذ ذلك الوقت تمتنع الجهات الرسمية المصرية عن التصريح بنسبة الفقر في مصر والتي تدل كل المؤشرات والدلائل على زيادتها بوتيرة متسارعة إذا تم الأخذ في الاعتبار عدة أمور مثل تعويم الجنيه وخفض قيمته أمام الدولار وتطبيق برنامج صندوق النقد الدولي والارتفاع المتواصل في الأسعار بشكل جنوني وغير مسبوق، نفس الجنرال الذي يسوق الوهم الأورجانيك الخالي من أي إضافات أو عوامل واقعية أو منطقية وقابلة للتطبيق وذات جدوى هو نفسه من يطالب المصريين بالاقتصاد في النفقات وإنقاص أوزانهم وتحديد نسلهم ويعمل هو ونظامه على تخفيض دخولهم إجباريًا بقرارات ودعوات شتى، آخرها ولن تكون النهائية مطالبته البرلمان والحكومة المصرية بخصم مبلغ من المال من كل مواطن يحصل على أموال من الدولة لصالح صندوق متحدي الإعاقة، خلال كلمته الإثنين الماضي ضمن احتفالية اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، نفس تلك الاحتفالية التي شهدت حادثة أرجعت إلى الذاكرة صكوك الغفران التي كانت تنتهجها الكنيسة الكاثوليكية منذ قرون عندما تبرع وزير الأوقاف محمد مختار جمعة بمبلغ 20 مليون جنيه لصندوق دعم أبناء مصر الذي اعلنت عنه غادة والي وزيرة السيسي للتضامن الاجتماعي فرد السيسي مازحًا وزير الأوقاف قرر التبرع بـ20 مليون كنت أتمنى يخش الجنة بأكتر من كده، والأمر لا يبدو كما هو عليه فالجنرال لا يمزح أبدًا في ما يخص جباية الأموال وتحصيلها بشتى الطرق فهو صاحب المقولة الشهيرة هتدفع يعني هتدفع ويبدو أنه بيت النية ووضع أموال الأوقاف والتي تقدر بمئات المليارات هدفًا يبتغي تحقيقه وهو من أصدر في يوليو 2016 قرار جمهوري بتشكيل لجنة لحصر أموال هيئة الأوقاف.
أثناء متابعتي المستمرة لسيل تصريحات الجنرال الملهم وزمرته والنهم والسعي المتواصل لحصد كل ما يمكن أن تصل إليه أياديهم من أموال مصر ومقدراتها ومدخرات وأقوات شعبها ولا يكتفي بهذا بل يضيف وبكل إصرار وعن عمد على كاهل الجيل الحالي والأجيال التي تليه تلالًا من الديون والقروض التي تجعل من فكاك مصر من التبعية لمانحي القروض من شتى الدول والمؤسسات وفي مقدمتها تلك اللعنة المسماة «صندوق النقد الدولي» أمرًا بعيد المنال ويجعل سيادة مصر واستقلالية قرارها في مرمى التهديد المباشر وبصفة مستمرة، تحضرني أبيات شعرية للمتنبي المتوفي عام 965م قال في أحدها (نامت نواطير مصر عن ثعالبها.. فقد بشمن وما تفنى العناقيد) وهو ما معناه أن النواطير «حراس مقدرات وأموال الشعب المصري» قد توقفوا عن مراقبة وملاحقة الثعالب «اللصوص» فقد وصلوا لحد التخمة من كثرة ما قاموا بسرقته واختلاسه واكتنازه وهو وصف بالغ الدقة للحكومات المتعاقبة وينطبق تمامًا على حكومات العسكر المتلاحقة والتي هبطت بمصر إلى مؤخرة الأمم وفي ذيل الترتيب العالمي لكل ما هو جيد ومتطور وفي مقدمته لكل ما هو رديء في شتى المجالات، وفي الثاني قوله (كم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكاء) والبيت يشرح نفسه بنفسه دون غموض ويعبر بوضوح لا لبس فيه عن حال مصر وشعبها تحت حكم الجنرال القابض على خناق الإثنين ويثبتهما بقوة السلاح ويطلق هو ووزراءه ومحاسيبه التصريح تلو الآخر عن الرخاء والتقدم والاستقرار بينما على أرض الواقع لم تتبقى مصيبة أو كارثة إلا وعاينها وعايشها المصريون، ليطبق الجنرال حرفيًا مصطلح الأورجانيك من الناحية العكسية فالأغذية الأورجانيك هي الذي تنتج من نباتات غير معدلة وراثيًا ولا تُعامل بأي مواد كيميائية مصنعة خلال مراحل نموها، والسيسي ينتهج مع مصر وشعبها سياسة الأورجانيك أي الجباية والضرائب وزيادة الأسعار وامتصاص وتجفيف مقدرات وأصول الدولة الخالية من أي إضافات تنموية حقيقة ولا تعامل بأي منهجية تعليمية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية لمنع انهيارها وتقهقرها.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري