كتاب وأراء

حقل الإعلام التوعوي وأثره في العمل الشبابي التطوعي

لاشك أنَّ العمل في مجتمع المتطوعين الفسيفسائي المختلف الميول والطبقات ذات الطاقة الاندفاعية العليا؛ تُفضي بشكلٍ أو بآخر إلى إيقاظ جذوة الهمم وتفعيلها في كل نواحِ الأنشطة والفعاليات التي تحقق لهذا المجتمع تطلعاته المتقدة، في إحداث الأثر الطيب، فالشباب ثروةٌ، لا يمكن الاستهانة بهم، فكل حكومات اليوم تبني رؤاها وطموحاتها الاستراتيجية للجيل القادم الذي سيحمل عنها مسؤولية الحفاظ على الموارد المتنوعة وديمومتها في شكلها التنموية مع المحافظة على الثوابت الأساسية. وفي الحقيقة أجدني محظوظة بالعمل في مجتمع جامعي يضم أرخبيلا كبيرا من الطلاب والطالبات النشيطين والذين يتبنون في كل موسم وكل فصل لمبادرات تطوعية ثورية تغييرية تؤدي أدوارًا هامة في المجتمع كدور الإغاثة الإنسانية الدولية، ودور التوعية المجتمعية، ودور التطوع الخيري في الأنشطة والمناسبات المحلية وما إلى ذلك من نشاطات مختلفة والتي أجدها فرصة شخصية لإيقاد طاقتي الذاتية وتفعيلها معهم قدر المستطاع وسبر عقولهم النيِّرة عن قرب والإفادة لهم بعون الله، والاستفادة منهم بكل تأكيد.
قارئي العزيز، إنَّ الإعلام التوعوي يقومُ بدورٍ كبير في إيقاظ جذوة الطاقات الكامنة لدى الشباب وتوجّهها نحو المزيد من العمل الإنساني الرائد في كل مكان وفي كُل بقاع الأرض؛ إعمارًا لديار الله المترامية، فالإعلام هنا يقوم بدور الإرشاد المجتمعي لخدمة القضايا الإنسانية وتسليط الضوء عليها بشكل تعبوي وتوعوي لتحقيق المشهد الإيجابي الهادف في المجتمع. فالجماهير العريضة في هذه المعمورة تنتظر من الإعلام أن يُمارس دورًا أشمل وأكثر تأثيرًا من نقل التغطيات والأحداث المختلفة التي تحدث بشكل متواتر حول العالم، ليلعب بذلك دورًا أكثر توجيهًا وأقرب إلى احتياجات الواقع، فالواقع يحتاجُ من الإعلام وقفة جادّة يُحفِّز من خلالها قِوى الشباب المتطوع ويُشكِّل عبرها الوعي المجتمعي العام الذي لا يتأتَّى إلا من خلال تبني الحملات التوعوية المتنوعة وتنفيذ المبادرات المجتمعية الفاعلة، وفي سبيل ذلك على الإعلام أن يتوجّه نحو تقديم المزيد من بذل الجهد في الخدمة المجتمعية وفي تنفيذ حملات التوعية بقضايا الحياة العامة والخاصة، وأن ينفُض عن نفسه الصبغة التسويقية الربحية وممارسة دورها المجتمعي بأمانة وعطاء.
إنَّ العالم يُنادي أجمع إلى أهمية مد يد العون للطاقات التطوعية الكامنة في المجتمعات، والتي تبحث دومًا عن جهات تتبنى أفكارها وتدعمها معنويًا، وحقيقة لا يشُح مجتمعنا من هؤلاء، فمعين الشباب المبادر لا ينضب لدينا، لكن يبقى أن يجد له اليد الداعمة في كُل حين، فالشباب هم مصدر الانطلاقة للأمّة ولذلك هم يملكون طاقات هائلة لا يمكن وصفها، وبالسهو عنها يكون الانطلاق بطيئًا، والبناء هشًا، والصناعة بائدة، والمذلة واضحة، والتطلع المنشود هو اكتشاف الطاقات للشباب، ومن ثم توجيهها إلى من يهتم بها ويفعّلها التفعيل المدروس، حتى يتم استثمارها، واعتبر كما يعتبر الاستراتيجيون بأن هذا المشروع الاستثماري له أرباحٌ مضمونة متى ما وَجَد اهتمامًا بالغًا من الحكومات والمؤسسات، والتطُلع المَنشود من خلال هذا المحور هو عملية تعديل إيجابي تتناول طاقة الشاب وتنمّيها حتى يكتسب المهارة والإتقان.
وفي الختام، جاء الحث على العمل التطوعي في كافة الشرائع السماوية واعتباره نوعًا من الدعم والمؤازرة فيما بين البشر بعضهم بعضًا، ومع تعقُّد الحياة في كافة جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية؛ أضحى على الدول التي تواجه هذه المعضلات البحث عن شريكٍ آخر يُساهم معها في المواجهة والتصدي لتلك المشكلات، فرأت أن فتح باب التطوع لكافة الفئات سوف يساهم في توفير فرص خدمة اجتماعية، تُقدَّم بشكلٍ طوعي ومن خلال جمعيات ومنظمات متخصصة تستقطب تلك الفئات وتقوم بتدريبها وتأهيلها وتهيئتها للانخراط في الخدمات العامة، فللعمل التطوعي أهمية ليس لكونه عملاً يسد ثغرة في نشاط الدولة والهيئات الاجتماعية فقط؛ بل أهميته الكبرى تكون في تنمية الإحساس لدى المتطوع ومن تقدم إليه الخدمة؛ بالانتماء والولاء للمجتمع، وتقوية الترابط الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة الذي اهتز هو كذلك بعوامل التغير الاجتماعي والحضاري. ومن هذا المنطلق يلعب الإعلام التوعوي دوره في المشاركة الإيجابية، ليس في تقديم التوعية فقط، ولكن في توجيه ورسم السياسة التي تقوم عليها تلك المؤسسات الإعلامية الاجتماعية، بما يعود على المجتمع ككل بالنفع العام، فكلما كثر عدد المتطوعين والمبادرات المجتمعية الهادفة، كلما دلَّ ذلك على وعي الإعلام بشكلٍ خاص والمواطنين والمقيمين بشكلٍ عام بقضايا مجتمعهم الحقيقية وحُسن تجاوبهم مع هذه القضايا والإشكاليات.
قارئي العزيز، ونحنُ من خلال هذه الإضاءات؛ إذ نتطلع إلى الإعلام التطوعي الذي يحتفي ويُربي، ويستثمر، ويحمي المتطوعين الشباب، فهم مقياس تقدّم الأمم وتأخرها، والواقع اليوم يشهد قلّة اهتمام من الحكومات والمؤسسات بأعظم ثروة عندها وهي الشباب المتطوع، فالنتائج اليوم وكل يوم نجد بأنها نتيجة أعمال فردية مرتجلة لا يسبقها تخطيط واضح، وعمل مترجم، ورؤية مستقبلية ناضجة، ونحن بهذا الحكم لا ننكر بروز بعض الجهود المبذولة في خدمة الشباب المتطوع في كل مكان، إلا أن ذلك يعتبر نقطة في بحر مما يجب فعله لهذه الثروات القوية التي تتجدد بتجدد الأيام والأعوام.
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي