كتاب وأراء

في وداع عــام مــضى

يلملم العام أوراقه «لا تستعجلوا.. إنني راحل، أعرف هذا وتعرفونه منـذ جئـت، إنه عـمر محدد.. ثلاثمائـة وخمسـة وسـتون يوماً لا تزيـد ولا تـنقص، فلماذا العجلة؟»
ولكن أي راحل يترك وراءه أشياء تذكر له، تجعل الآخرين يمدحونه، أو يهجونه أقذع الهجـاء، فكيف سـنتذكر هذا العام؟ ألا يطلبون منا دائماً أن يجلس الواحد إلى نفسه ويجري «جردة حساب» للعام الذي مضى؟
أنا – كسـوري – سـأتذكره بأنه كان أسوأ مما قبله، ولعل ما قبله كان أسوأ منه، لا أدري، فمنذ سنوات تبدو دهراً والأيام والسنوات السيئة تتعاقب علينا، حتى نسينا كيف تكون الأيام طبيعية وطيبة، ولا أدري كيف سيكون ما بعده، لكننا قـلنا هـذا الكلام كثيراً، لذا لا أتفـاءل. صـارت بلادي سـاحة لتـصفـية الحسابات، وتنفيذ مخططات تنفع الجميع ما عدا الشـعب السـوري، وليس من بارقة أمل بأن النهار سيأتي بعد الليل الطويل. بلدي يدمَّر، وشعبي يقتل أو يهجَّر، وأخطر ما في الأمـر أن الناس ألفـوا هذا، صار خبر القتل والتهجير خبراً عادياً لا يجعل أحداً يغص بلقمة أو شربة ماء.
قـرأت عـن رجـل مـرتـاح البـال هـانئ في عـيشـه، بعـد أن قاطع الـقـنـوات والإذاعات والصحف الإخباريـة، ولم يعد يناقش القـضايا السـياسـية، ولا يسمع لمن يحدثه عن أي من هذه الأمور. لقد تمنيت والـلـه أن أفعل مثلـه، ولكنني لم أستطع ولا أسـتطيع. صار الأمر إدماناً منـذ الولادة. انشغـلنا بقضايا العرب والأصدقاء، ثم جاء اليوم الذي ننشغـل فيه بأنفسـنا، ويدعون أنهم منشـغـلون بنا، ولكنهم كاذبـون، ما من أحد توقف عن الضحك وحده وهـو يرى بلادي وقد دمرتها القـنابل، بل إن ميّتي الضمائر يتاجـرون بأرواح السـوريين وبراءة أطفالهم وأعراض نسـائهم.
لـماذا نحتـفـل بقدوم العام الجديد؟ أليس الأفضل أن نبكي على سـنة مضت من أعمارنا؟ إنه الأمـل والتفاؤل، و«ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل» كما قال المتنبي. وما أصعب أن يعيش المرء دون أمل. إذا كنا نعتقد أن غداً سيكون كالأمس أو أسوأ فإن الحياة تصير كابوساً لا يطاق. يجب أن نحلم بأن الغـد أفضل.. بأن الصغار سـيكبرون، والجراح ستشفى، يبلسم الزمن النفوس المتألمة. يسـتحسـن أن يمسـح المرء بعض ذاكرته أحياناً، وينسى الآلام، ويحلـم بأن الحياة ستكون أجمل.
كل عام وأنت بخير: وهل كنت بخير لأظل بخير؟ حسناً.. أتمنى لك أن تكون بخير في العام القادم، أو بحال أفضل من حالك هذا العام، وأن تظل بخير.. دعونا نتفاءل بالخير عسى أن نلقاه، ولنطع قول سيد الخلق «تفاءلوا بالخير تجدوه».
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين