كتاب وأراء

دستور يا أسيادنا ! - «1-2»

لم أكن يومًا من أولئك الذين تصيبهم المفاجأة وتأخذهم الدهشة عند كل مشهد جديد، ومشهد هنا المقصود به جزء من المسرحيات السابقة التجهيز والتأليف والرديئة الإخراج من أحلاف الثورة المضادة تجاه الربيع العربي المستهدف والمكلوم والثورة المصرية المتآمر عليها، لألطم الخدود وأشق الجيوب ويكاد يخر مغشيًا عليَّ عندما أرى ما يصنفه البعض من هؤلاء الذين يطلق عليهم «نخبة» أو الغالبية من القاعدة الجماهيرية لثورة 25 يناير دليلًا آخر على هزيمة الثورة.
وأشير هنا إلى تلك المسرحية الهزلية والتي تحول فيها المخلوع مبارك بكل هيلمانه وجبروته الذي كان عليه قبل ثورة يناير إلى مجرد كومبارس ناطق في ظل الانقلاب العسكري عند حضوره للشهادة في محاكمة الرئيس المنتخب «محمد مرسي» ورفاقه في ما يعرف بقضية اقتحام الحدود وفتح السجون في يوم 28 يناير 2011، فمتى قامت ثورة ولم تستهدف ومتى خرج شعب ليطالب بحريته وحقوقه ولم تتآمر على أحلامه وتطلعاته القوى الخارجية التي تمثل الديمقراطية وامتلاك الشعوب لزمام أمورها تهديد مباشر لمصالحها واستنزافها لثروات ومقدرات تلك الشعوب المقهورة، فكما الثورة نتيجة حتمية لتراكم الظلم والقهر والطغيان، فالثورة المضادة تاريخيًا لم تستسلم من الجولة الأولى أبدًا ومراحل الثورة الفرنسية أولى الثورات في التاريخ الحديث خير دليل.
تلك القضية الملفقة التي تمخضت بدورها عن قضية التخابر مع «حماس» وهي نفسها حماس التي تستقبل القاهرة وفودها بصفة رسمية في عهد الجنرال الانقلابي حتى وإن كان استقباله لتلك الوفود للضغط على الحركة خدمة لأولاد العم في «تل أبيب» وإمعانًا في المحاولة لتركيع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والتي أصبحت كابوسًا حقيقيًا مزق شمل حكومة النتن ياهو وجعلت الجيش الذي لا يقهر في وضع الدفاع والاستنفار والخوف بصفة شبه مستمرة، والقضية نفسها تدين فيلسوف عصره وأوانه عبدالفتاح السيسي والذي تولى منصب مدير المخابرات الحربية يوم 3 يناير 2010م وظل في المنصب حتى يوم 12 أغسطس 2012م، أي أن أحداث القضية المزعومة تمت إبان توليه المسؤولية المباشرة عن كل ما يخص أمن مصر العسكري ومراقبة حدودها فإذا كانت عين الجيش عمياء فما بالك بباقي جسده، أوليس من الأولى محاسبة من أهمل قبل حساب من أخطأ هذا لو كانت الأحداث قد جرت بالفعل كما يزعم النظام العسكري وهو زعم ينافي العقل ويجافي المنطق وتلفظه الحقائق.
لا يعنيني كثيرًا ما دار وسيدور في تلك المهزلة، فالقوم «العسكر» لديهم هاجس وعدو مؤكد ومحتمل وشماعة أخطاء في الوقت نفسه وهي جماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتها داخل مصر وخارجها، لذا من الطبيعي والحتمي أن يستدعوا من في القصور ومن في القبور أيضًا للشهادة ضد الإخوان المسلمين ومن يمت لهم بصلة أيًا كان نوعها، ولدينا في مصر تهمة التعاطف مع الإخوان على وزن وشاكلة الثلاثي الخليجي المحاصر لقطر (السعودية والإمارات وتابعهم في البحرين) ابتكروا تهمة التعاطف مع قطر، ولا عجب في هذا فالجماعة (حلف الثورة المضادة) يشربون من نبع التآمر والدسائس ذاته، وبالعودة لمهزلة المحاكمة تعجب الكثيرون من دخول المخلوع مبارك قاعة المحكمة واقفًا على قدميه ووصفوا هذا بالانتصار للمخلوع والثورة المضادة وهو من كان يدخل محمولًا على سرير طبي إبان محاكمته، ففي كلتا الحالتين كان يتصرف مأمورًا لا آمرًا من قبل العصبة العسكرية ودولتهم العميقة وإن كان الفارق هذه المرة كون دخوله مستندًا على نجليه هو الهزيمة في حد ذاتها فمن كان يخطط ليكون وريثه في حكم مصر أصبح بالكاد عكازا يتوكأ عليه المخلوع ليؤدي المطلوب منه، فالسيسي في هذا اليوم وكأنه يقول للجميع هأنا ذا قد قضيت على من خلعته الثورة من الاتحادية ومن وضعته أصوات الثوار في سدة الحكم.
السيسي يقصد برسائله هذه الخارج وليس الداخل، فلم يعد هناك ما يقلقه من الداخل ومنبع عدم قلقه هذا ليس السيطرة أو التحكم المطلق مع عدم إغفال ثقل القبضة الأمنية وتغولها وتوحشها وهو ما يجعل المتابع يعتقد أن الشعب المصري صامت ومتقبل لما يحدث وهذا غير صحيح فالصمت هو صمت المتحفز الغاضب المجبر وليس صمت الرضا والقبول، لأن الجنرال قد قطع كل ما يمكن أن يربطه بالشعب ويبقي ولو على جزء صغير يمكن أن يستند عليه كظهير شعبي.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري