كتاب وأراء

الاحتواء الصعب

الاتصال الهاتفي الأخير والمطوّل قبل ليلةٍ واحدةٍ من رأس السنةِ الميلاديةِ الجديدةِ 2019، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني (شي جي بينغ)، لا يعني كما أعلن الرئيس ترامب بأن العلاقات الصينية الأميركية ستكون مريحة وايجابية خلال العام الجديد 2019، في ميدانها الاقتصادي والتجاري وحتى السياسي. فليس لمكالمةٍ هاتفيةٍ مهما طالت في وقتها وتشعبت في تفاصيلها أن تَحُلَّ مشاكل واستعصاءات كبيرة باتت تميّز مسار العلاقات بين البلدين، بين واشنطن وبكين، لذلك فإن كل التراكمات الماضية خلال العام الفائت 2018 تنفي ما ذهب اليه الرئيس ترامب في مكالمته الهاتفية مع الرئيس (شي جي بينغ)، وكل ما نستطيع قوله إن الأمور قد تتحسن في العام الجديد 2019، لجهة خفض مستوى التصعيد الكلامي والإعلامي بين البلدين باتجاه التهدئة ومحاولة البحث عن تقاطعات ايجابية بدلاً من التسخين السياسي والإعلامي الذي لم يتوقف طوال العام الفائت.
وفي حقية الأمر، يخطئ الرئيس الأميركي دونالد ترامب والفريق المحيط به، إذ يعتقدون أن بيدهم ما يكفي من الأدوات لتهديد الموقع الصيني، حتى عن طريق اتخاذ إجراءات عقابية تجارية على المستوى العالمي أو حرباً تجارية، من بينها توسيع ورفع زيادة التعرفة الجمركية وغيرها من الإجراءات التي ستكون حرباً اقتصادية على الصين. ولكن هذه الحرب ستفعل فعلها باتجاهين، فإذا ما لجأت واشنطن إلى إغلاق أو حتى تضييق أسواقها أمام المنتجات الصينية عبر رفع مستوى زيادة الرسوم الجمركية، فان أثرها لن يتوقف على الصين الشعبية لوحدها، بل ستشمل شبكة تصنيع المكونات الإلكترونية في دول آسيا، وفي كوريا الجنوبية واليابان، قبل تجميعها في المصانع الصينية وتصديرها إلى الأسواق الأميركية. فأي إجراءٍ عقابي أميركي سيصيب حلفاء الولايات المتحدة في آسيا أيضاً، لذلك فإنَّ التقديرات والتوقعات للعام 2019، وعلى ضوء تجربة العام 2018، ترجح اتباع واشنطن لاستراتيجية جديدة بشأن الصين الشعبية ستأخذ على الأرجح طريق احتواء الصين بدلاً من المواجهة المستمرة معها، وعملية الاحتواء تكون من خلال ضمّ الصين إلى الاقتصاد الرأسمالي العالمي لفرض قواعد الانضباط عليها، خصوصاً بعد أن سقط الرهان الأميركي السابق والذي كان يرى بامكانية حدوث تغيير سياسي داخلي في الصين عبر تأثير مباشر لضمها إلى السوق الرأسمالية العالمية.. فهل ستنجح واشنطن بمسعاها هذا خلال العام 2019 باحتواء الصين الشعبية، أم أنَّ خطواتها ستتعثر من جديد، في عملية احتواءٍ صعبة، فهي لا تواجه نمراً من ورق بل دولة كبرى باتت في ميزان التحوّلات المتوقعة نحو عالمٍ مُتعدد الأقطاب...؟.
التعددية القطبية ستكون إحدى الجمل الأساسية الرنانة خلال مسارات العام الجديد 2019. وهي ليست تفكيراً رغبوياً في جزءٍ منها واستراتيجياً في جزءٍ آخر، بل مسعى تتجه نحوه عددٍ من الدول والتكتلات الكبرى في العالم بعد أن ضاقت ذرعاً باستعراض القوة وبالمواقف الأحادية الأميركية خلال السنوات الطويلة الماضية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان