كتاب وأراء

فـيـلـسـوف أم شـاعـر؟

لا أحد يجهل أغنية فيروز «أعطني الناي وغنِّ» وقلائل جداً يعرفون أن ملحنها مغترب لبناني اسمه نحيب حنكش، ثم تبين أن اللحن مسروق من أغنية برازيلية، وقلائل أيضاً من يعرفون أنها من شعر اللبناني المهجري جبران خليل جبران الذي حلت أمس ذكرى ميلاده، فقد ولد يوم 6/1/1883 ومات بمرض السلّ في 10/4/1931 وعمره 48 عاماً. لماذا حقق جبران شهرة لم يحققها أي أديب لبناني مهاجر؟ ولماذا كتبه الأكثر مبيعاً بالإنجليزية بعد شكسبير ولاوزي أو لاوتزه الفيلسوف الصيني من القرن السادس قبل الميلاد؟
ولد في بلدة بشري في شمال لبنان ونشأ فقيراً، ولم يلتحق بالمدرسة، اشتهر عند العالم الغربي بكتابه «النبي» الذي نشره سنة 1923وترجم منذ ذلك الحين إلى أكثر من خمسين لغة، مضمونه اجتماعي مثالي تأملي فلسفي، ورسالة النبي رسالة المتصوف المؤمن بوحدة الوجود، وبأن الروح تـتعطش للعودة إلى مصدرها، وبأن الحب جوهر الحياة.
«النبي» كتاب متميز جداً بأسلوبه، وهو غني بالصور التلميحية والأمثال، والجمل الاستفهامية الحاضة على تأكيد الفكرة نفسها، ثمة تشابه أيضاً بين «النبي» و«هكذا تكلم زرادشت» لـنيتشه، واختار كلاهما حكيماً ليكون لسان حاله. مع ذلك تتسم كتابة نيتشه بالرمزية الشديدة والفصاحة الفخمة، بينما تمتاز كتابة «النبي» بالبساطة والجلاء وبنفحة شرقية.
في عام 1931 كتب جبران «شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي. كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقاً أفضل ما أستطيع تقديمه». لم تذهب جهوده عبثاً، بعد قرن على صدوره، ما زال ملايين القراء في أنحاء العالم يتداولون الكتاب. ترك جبران أحد عشر كتاباً بالعربية وتسعة كتب بالإنجليزية، وجمع شعره في ديوان لا يضم سوى 415 بيتاً.
كان جبران ميالاً منذ الطفولة إلى الوحدة والتأمل أحلام اليقظة. وظل في مراهقته منطوياً على نفسه، بعيداً عن الأقارب والجيران. وكان سريع البديهة، متواضعاً وطموحاً. وكان شديد الرغبة بالشهرة ولو عن طريق الانتقاد.
من أجمل ما قرأت له «أنا مسيحي، ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله، أنا شرقي ولي فخر بذلك، ومهما أقصتني الأيام عن بلادي، أظل شرقي الأخلاق، سوري الميول، لبناني العواطف. خذوها أيها المسلمون، كلمة من مسيحي أسكن «يسوع» في شطر من حشاشته، و«محمداً» في الشطر الآخر. إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي العيون الزرقاء».
أوصى جبران أن تكتب هذه الكلمات على قبره: «أنا حي مثلك» هل كان يتنبأ؟
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين