كتاب وأراء

نزيف بشري لا يتوقف

حبشي رشدي
كنت، ومازلت، أنظر بألم كبير للأنباء التي تتردد بين آونة وأخرى حول قوارب متهالكة تحمل عشرات أو المئات من شباب دول عدة، يحاولون بلوغ اليابسة الأوروبية بحثا عن حياة آدمية أفضل في دول القارة العجوز، بدلا من البطالة والفقر والحروب والأمراض التي يعانونها في مجتمعاتهم، غير أن معظم هذه القوارب لا تنجح في هدفها وتغرق بمن في أحشائها بعرض المتوسط في حوادث مأساوية مفجعة، رغم كل المحاولات المبذولة لوقف هذا النزيف البشري المستمر، ورغم أن هؤلاء المهاجرين يعرفون أن احتمالات غرقهم أكبر من فرص نجاتهم ووصولهم إلى بر أمان.
وليس في ذلك ملامة لهم، فما رماهم إلى مر الهجرة وركوب قوارب الموت، لابد أنه أكثر مرارة من حياتهم التي يعيشونها في بؤس وعذاب وقهر وحرمان، وإلا لما غامروا، رغم أنه لا يوجد في حسابات العاقلين ما يبرر هذه الطريقة الانتحارية التي يلجأون إليها.
غير أن هناك فارقا كبيرا بين مجتمع يهجره أعداد كبيرة من أبنائه ومجتمع آخر يتهافت إلى الهجرة إليه شباب مجتمعات أخرى، وهنا تحضرني إحصائية قرأتها مؤخرا عن المجتمع الإسرائيلي تتحدث عن زيادة في عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل في العام 2018، حيث هاجر إلى الدولة العبرية أكثر من 29 ألف يهودي من أنحاء العالم في العام الماضي، فلايزال هناك يهود في العالم يتطلعون إلى هجرة إلى ما يعتقدونه خطأً أنه بلدهم التاريخي، ما يعني أن المجتمع الإسرائيلي لايزال جاذبا، بعكس معظم مجتمعاتنا العربية التي تحول عدد ليس قليلا منها إلى بيئة طاردة لأبنائها في نزيف بشري لا يتحدث عنه أحد رغم الخسائر الكبيرة التي تمنى بها هذه المجتمعات جراء فقدانها عددا كبيرا من أبنائها الذين يتركونها ويهاجرون إلى دول أخرى.
وليست الهجرة بالضرورة على متن قوارب موت، ولكن هناك من يهاجرون بطرق شرعية ويتركون مجتمعاتهم، وهنا تحضرني أيضا إحصائية لبنانية قرأتها مؤخرا، تقول إنه وفقا لإحصاءات السفارات ومنح تأشيرات الهجرة، تبين أن لبنان خسر 472 ألف شاب وشابة لبنانية عمرهم بين 20 و35 سنة وأكثريتهم من خريجي الجامعات والذين عملوا في مؤسسات وشركات وكلهم أصحاب أدمغة علمية وثقافية وفكرية، وأن هذه أكبر خسارة للبنان، أي خسارة نصف مليون شاب وشابة، كل واحد منهم كلف لبنان وأهله مليون دولار حتى وصل إلى هذا العمر وتعلم ونال الإجازات العليا. وخسر لبنان نصف مليون طاقة لا يمكن تعويضها بينما ربحت كندا والولايات المتحدة وأستراليا ودول أخرى هذه الطاقات العلمية الكبيرة الثمينة والغالية.
ولا تقتصر الهجرة الشرعية على لبنان الشقيق فقط، بل لاحظنا أيضا أن الآلاف من شباب دول عربية عدة، وبينهم من حصل على شهادات علمية عليا وكلف بلده الكثير، يحمل حقيبته ويرحل، لأن مجتمعه يغلق الأبواب في وجهه، أو لأن الحياة في بلده دون أحلامه، والغريب في الأمر أنه لا أحد تلفته هذه الظواهر، رغم أن بلادنا العربية ليست ضيقة المساحة ولا قليلة الثروات، ولكنها تضيق الحياة فيها بأشياء أخرى.

حبشي رشدي