كتاب وأراء

أسيرات يكتبن للحرية

«حفلة لثائرة: فلسطينيات يكتبن الحياة»، عنوان لافت لكتاب هو نتاج ورشة للكتابة الإبداعية، ساهمت فيها أسيرات فلسطينيات وأشرفت عليها الأديبة والباحثة العراقية هيفاء زنكنة، جاء الكتاب مضمّخا بمعاناة الأسيرات وصور من أحلامهن وقصص بعض العذابات التي عرفنها في درب الآلام السائر نحو الحرية.
لم تكن المناضلة الفلسطينية تتهيب مشاقّ الرحلة وهي تدرك أنها تضحي لأجل قضية عادلة، عندما جاء الشرطي «وسأل: من منكن نادية؟ فأجبته: أنا.. قال: تم إصدار الحكم عليك بالمؤبد وعشرين سنة. ضحكت.. وأكملت حديثي مع زميلتي، فوقف مذهولا لا يصدق ما يرى ويسمع، وأكمل إبلاغ الحكم نفسه لزميلتي، كان رد فعلها مثلي، ضحكت والتفتت لتكمل ما انقطع من حديث معي وكأنه الأكثر أهمية من أي شيء آخر في الحياة». فالمعتقلة من أجل الحرية ليست مجردة من الأحاسيس ولكنها لا تبدي ضعفا أمام الجلاد، فقط تتجلى إنسانيتها العظيمة وهي تخاطب نفسها وتبكيها المشاهد الإنسانية التي ترافق أيام السجن، لحظات وداع أو لقاء وابتسامات عابرة وأوقات للسخرية من السجان والتعبير عن روح التحدي.
تصف إيمان غزاوي بحرقة لحظات اللقاء مع طفليها ثم «تنتهي مدة الزيارة، يخرجان فيسود صمت يجثم على صدري مثل حجر لا يزيحه غير البكاء في زاوية من الزنزانة. تمر الساعات ببطء بانتظار الزيارة التالية. يصبح للسجن تقويمه وللزمن قياسه»، فالمعتقل في صراع مع الزمن تماما مثلما يواجه السجان وكآبة المكان في انتظار لحظة الحرية الكبرى، «انتهت الرحلات إلى المحكمة ولن نرى البحر لسنوات عديدة مقبلة. سيكون السجن بيت وغرفة وسرير وملابس المستقبل، علينا أن نحياه حتى..».
في تجارب الاعتقال مشاهد إنسانية تفوق الوصف، عندما تولد الطفلة لتجد نفسها ومنذ لحظات حياتها الأولى لا تدرك من العالم غير جدران السجن، هكذا كانت الطفلة حنين التي «فتّحت عينيها الصغيرتين على مكان ظنت أنه الكون الوحيد في العالم» وكذلك كانت ثائرة التي تحولت إلى «طفلة لخمس وعشرين أمّا.. وتدرّبت على كثير من الأمور التي ما كان لطفلة بعمرها، وتعيش في بيئة طبيعية أن تدركها أو تتقنها».
قصص كثيرة ينقلها الكتاب ما يجمع بينها هو طابعها الإنساني في ظل ظروف غير إنسانية، حكايات صغيرة في حياة أسيرات عانين مرارة الاعتقال وسوء المعاملة، إنها مشاهد تكشف جوهر الإنسان وهو يتجلى في أقسى الظروف فلا تزيده القسوة إلا بهاء وسموّا.
إن التجربة التي خاضتها هيفاء زنكنة من أجل تجميع تجارب الأسيرات الفلسطينيات والتركيز على الجانب الإنساني فيها بوصفه البعد الأساسي للمناضلة من أجل الحرية وما كان لامرأة أن تتحمل عذابات السجون لولا إيمانها بالإنسان ورفضها للمهانة والقهر.
وعلى أمل صدور كتاب مماثل لتجارب المعتقلات السياسيات في تونس ممن تعرضن لقسوة اضطهاد النظام القمعي زمن الرئيس المخلوع «بن علي»، حيث تخوض الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة تجربة مماثلة وتدير ورشاً للكتابة الإبداعية وتجميع روايات شتى لنساء مرت نضالاتهن وعذاباتهن في ظل الصمت طيلة عقود وآن الأوان لترى النور، في انتظار شهادات أخرى لنساء يعانين اليوم على امتداد هذا الوطن العربي.
بقلم: سمير حمدي

سمير حمدي