كتاب وأراء

مقتطفات صحفية

• كان أحد الكتاب يصر على وضع الحركات فوق الأحرف (التشكيل)، وسـميته يومها «الكاتب الذي يتباهى بالخطأ»، لأنه كان يشـكّل الكلمات خطأ، وتوقف عن الكتابة، ووجـدت آخر يفعل فعله، فيقول في إحدى مقالاته «وقد لا تعمِّر طويلاً» هكذا قرر أن الميم مكسورة، وليس الوحيد في هذا الخطأ، لأن كثيرين يقولون ويكتبون «المعمِّر والمعمِّرون» ويقصدون كبار السن، والصفة معمر اسم فاعل من «عمَّر» لكن هذا الفعل من «التعمير» أو الإعمار، أما العمر فنقول: عمِر الرجل يعمر (بضم الميم وفتحها وكسرها) عاش وبقي زماناً طويلاً، وعمَره الله وعمَّره: أبقاه، فتكون «معمَّر» اسم مفعول ناب عن اسم الفاعل، ومن كان ينصب نفسه عالماً لغوياً كصاحبنا لا يقول «طفيلاً» والصحيح كما يعلم الجميع «طفيليّ» ولا يقول «وصولاً للتجويع» فالتعدية هنا تكون بحرف الجر «إلى» وليس باللام.
• كتبت مرة عن كلمة «نعوة» التي يستخدمونها على أنها إعلان خبر الموت، وهي غير صحيحة، إذ قاسوها على «دعوة» ولكن هذه من الفعل «دعا يدعو» بينما الأولى من الفعل «نعى ينعى» وهذا هو الخطأ الشائع الثاني في هذا المجال. قرأت مؤخراً في عنوان إحدى المقالات «القمة التي تنعيها إسرائيل مقدماً» وتلاحظون أولاً أن العنوان «تفصيح» للعامية، وكان الأفضل له القول «إسرائيل تنعي القمة قبل عقدها»، ويبقى الخطأ في فعل «تنعي» وهو غير صحيح. نعى ينعى نعياً، والنعْي والنعِيُّ الإشعار بموت الميت، وجاء نعْي فلان (ونعِيُّه) أي خبر موته، والناعي الذي يأتي بخبر الموت.
• كتب كاتب خفيف الظل ظريف القول مقالة بعنوان «شكراً أيها النطـّاس» ويقول إن محامياً بدرجة مستشار أرسل إليه يحثه على استخدام الكلمات العربية لا الأجنبية، وأنا معه في رفضه هذا الطلب، لأن الناس لم يتقبلوا التسميات التي يقترحها المحامي من نوع: الخيالة أي السينما، والرائي أي التليفزيون، ولكن المحامي والكاتب كليهما وقعا في الخطأ حين قالا إن الطبيب يدعى «النطاس» وهي على وزن غواص ودهان ونجار وغيرها. وصيغة «فعّال» في اللغة أشهر صيغ مبالغة اسم الفاعل: باسم وبسّام، ضاحك وضحاك، قاتل وقتال (وثمة شاعر قديم يدعى القتّال الكلابي).
يقول المعجم: رجل نطـْس ونطِس ونطـُس ونطيس ونِطاسي: عالم بالأمور حاذق بالطب وغيره، لم تكن التسمية مقتصرة على الطبيب ثم استقل هذا بها، والنُطـُس: الأطباء الحاذقون، وقد تقال نطِس ونطـُس للمبالغ في كل شيء. بالمناسبة تنطـَّس الأخبار: تجسسها، والناطس: الجاسوس، والتنطـُّس: التقزز والمبالغة في الطهارة.
• وكتب هذا الكاتب في مرة أخرى «وأخذ يرتع كالحصان الجامح» وكان يعني أنه يسرع الجرْي والركض، لكنه جانبه الصواب في اختيار الفعل المناسب. رتع يرتع رتْعاً ورتوعاً ورِتاعاً. يقال: خرجنا نرتع ونلعب: أي خرجنا ننعم ونلهو، فالرتْع: الأكل والشرب رغـَداً في الريف. قال تعالى على لسان إخوة يوسف: أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12 سورة يوسف) أي يسعى وينبسط.
• لا يعامل غير العاقل معاملة العاقل لغوياً إلا نادراً، وفي جوازات محدودة. كان محرر يتحدث عن بقرة سماها «البقرة الخارقة» لأنها هربت من الذبح، ولم يستطيعوا القبض عليها، وتركوها بعد ذلك تسرح في المكان الذي هربت إليه، وقال إنها هربت حين كانت مع بقرات «قبل أن يتم نقلهن إلى المذبح» والخطأ هنا أنه أورد ضمير جمع المؤنث العاقل «نقلهنّ» وكان عليه القول «قبل أن يتم نقلها» فنحن نتحدث عن «نياق» فنقول: وعليها يحمل الإنسان متاعه وأحماله، ولا نقول «عليهن»، ونتحدث عن الأغنام فنقول: ويستفيد الإنسان من لحمها وصوفها ولبنها. صحيح أن بعض الشعراء عامل غير العاقل معاملة العاقل، لكن هذا من الجواز الشعري، كقول أبي فراس الحمداني:
وقد صار هذا الناس إلا أقلـَّهم
ذئـاباً عـلى أجسـادهـنَّ ثـيـابُ
وكان عليه القول «على أجسادها» لكن هذا يكسر الوزن، ولم يكن أبو فراس جاهلاً بهذا، لكنه غامر بهذا الجواز الشعري ليكتمل هذا البيت الذي يشكو فيه الحياة.
• لا مفرّ من التنبيه مراراً إلى خطأ نحوي شائع هو معاملة بعض الكلمات التي تأخذ شكل جمع المؤنث على أنها مؤنثة حقاً. نقول: قالت إحدى المعلومات المؤكدة، وجاء في إحدى الموضوعات، ونقلوه إلى إحدى المستشفيات، وإحدى معتقدات الناس الظالمة، بعض هذه الجمل صحيح، وبعضها خطأ، فالقول: «إحدى المعلومات» صحيح، لأن مفردها معلومة، وهي مؤنثة، أما بقية الجمل فغير صحيحة، لأننا ننظر إلى المفرد: موضوعات مفردها موضوع، مستشفيات مفردها مستشفى وهو مكان الاستشفاء، معتقدات مفردها معتقد، وهكذا فإنها كلها وما شابهها لا تجوز معها «إحدى» بل يجب أن تكون «أحد»
• كتبت مرات أنني لا أحلم بأن ملاحظة نبديها، تبيّن الخطأ والصواب في اللغة، ستجعل بعض الكتاب يكفـّون عن الوقوع في هذا الخطأ، ويعودون إلى الصحيح ليلتزموه. من هذه الأخطاء الشائعة جداً «تعدية» الفعل اعتاد بحرف الجر «على» وهذا من العامية، والفعل كما تعرفون لازم ومتعدّ، فالفعل «اللازم» يكتفي بالفاعل، والمتعدي يحتاج إلى أن يتعدى بعد الفاعل إلى غيره ليكتمل المعنى، و«المتعدي» يتعدى بنفسه أو بحرف جر، وفعل «اعتاد وتعوّد» يتعدى بنفسه، فما بالي أقرأ في مقالة واحدة لمن يدعي الفهم والعلم بالقرآن والأدب والتاريخ هذه الجمل بعد تغييرها قليلاً: فنحن متعودون على هذا، إن العنف بشع، واعتياد الإنسان على تلقيه، فالذي اعتاد على حمل الأحجار الثقيلة.
• لا يستغني الكتاب العرب عن الشعر، فهم يدعمون آراءهم ببيت من الشعر، أو يوردونه لما فيه من حكمة، ولكن إيراد الأبيات يخضع لقواعد: أن ينسب البيت إلى قائله، وهذا أبسط حقوق الشاعر الأدبية، وأن ينقل البيت صحيحاً «نحوياً» فليس شاعراً من يخطئ في نحو اللغة وصرفها، و«عروضياً» إذ لا يعقل أن نجد بيتاً مختلاً عروضياً ثم نسميه شعراً، فما بالك إذا كان لأحد الفحول؟
أورد أحدهم بيتاً من أبيات المتنبي الرائعة في الفخر بنفسه، حيث يقول إنه لا يتعب ذهنه كثيرا في نظم القصيدة، بينما يسهر الآخرون الليالي من أجلها:
أنام ملء جـفـوني عن شـواردهـا
ويسهر الخلق جرّاها ويختصموا
لكن الكاتب قال «ويختصم» أي صار الفعل للمفرد، ونسي أن «الخلـْق» تعني الناس، فكأن المتنبي قال: ويسهر الناس، والطريف أن العامة يستعملون الكلمة استعمالاً صحيحاً.
وهذا البيت من آخر قصيدة أنشدها المتنبي بين يدي سيف الدولة، وافتخر فيها بنفسه فخراً لم يسبقه إليه أحد، ولا لحق به أحد، حتى قال:
سيعلم الجمع ممن ضمَّ مجلسـنا
بأنني خيـر مَـن تسـعى بـه قـدمُ
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسـمعت كلماتي من به صمَمُ
وكان المعري يقول: أنا المقصود بهذا البيت.

نزار عابدين