كتاب وأراء

أن تـصـل مـتـأخـراً

ليست اللغة وسيلة تواصل وتفاهم بين البشر فقط، بل لغة كل أمة وعاء حضارتها وثقافتها وتاريخها، ولغتنا العربية تتميز بخاصية ليست موجودة في لغات العالم الأخرى، وهي أنها لغة القرآن الكريم، ولا تجوز صلاة المسلم إلا بها، حتى لو كان لا يعرف من العربية شيئاً.
ولقد عانت هذه اللغة الكثير الكثير من إهمال أبنائها لها وعقوقهم، حتى صارت غريبة على الألسن، وكان من نتائج هذا الإهمال أمور كثيرة كتب وتحدث عنها الغيورون على لغتهم، ولكن التيار كان جارفاً، وكانت الآذان صماء، من هنا كان ترحيبنا الحار بالقانون الأميري القطري رقم 7 لعام 2019 لعله يعيد إلى العربية بعض الذي تستحق، ولا نستطيع انتظار قمة عربية لتتخذ قراراً عاماً شاملاً..
ولن أعيد مواد القانون، ولكن الأهم فيها في نظري ما يتصل بالتعليم، وليس في أمم الأرض كلها أمة تعلم بغير لغتها إلا الأمة العربية، وليست المصيبة في أن الطالب يتخرج من الجامعة وهو لا يستطيع قراءة سطرين بالعربية، المصيبة أن هذه الأجيال الجديدة ينهي الطالب فيها المرحلة الثانوية وهو لا يستطيع قراءة الفاتحة، ولأن اللغة ناقل الحضارة والتاريخ والثقافة، فإننا نخشى أن هذا الطالب لن يعرف أسماء الخلفاء الراشدين ولا قادة الفتوح الإسلامية، ولا صانعي الحضارة العربية الإسلامية، وأذكركم بالمفكر العربي الراحل إدوارد سعيد الذي شـعر بالخجـل لأنه يتحدث عن القضايا العربية ويكتب وهـو الفيلسـوف العالمي بلغة غير العربية، فعاد إليهـا وتعلمها وصـار يكتب ويحاضر بها.
وقد ترك القانون مساحة من الحرية للمؤسسات التعليمية، ونرجو أن يتم الانتباه جيداً لهذا الأمر الذي لا نعرف كيف سيتم ضبطه، ولكننا نريد شدة في تطبيقه، وقطعاً لطرق التحايل عليه، وأن تضع الوزارات المختصة الضوابط لتدريس العربية تدريساً علمياً حديثاً، لا ينفر التلاميذ والطلاب منها، ولعلنا نقترح أن يكون إتقان العربية – أوالحد الأدنى منها – شرطاً لنجاح الطالب في الثانوية أو الجامعة.
وفرحت بالمادة الثامنة من القانون التي تنص على أن «تسمى بأسماء عربية الشركات، والمؤسسات ذات الأغراض التجارية والمالية والصناعية، والعلمية والترفيهية أو غير ذلك من الأغراض» فلقد تعبنا من الأسماء الأجنبية تسمى بها المحال التجارية حتى الصغيرة التافهة منها «سيليكشن، كونكورد، برودواي» وأرجو أن ألفت الانتباه إلى اللغة العرجاء التي تكتب بها اللافتات التحذيرية في الطرقات (استخدم طريق بديل) وإلى ما يشوب لغة الإعلانات من جرائم بحق اللغة.
ربما تأخر هذا القانون الذي كنا نتمناه وننادي به، ولكن! أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين