كتاب وأراء

التشهير وحرية التعبير

من ضمن التعريفات لموضوع حرية التعبير في العالم، حسب ويكيبيديا: «حرية التعبير أو حرية الرأي هي الحق السياسي لإيصال أفكار شخص ما عبر الحديث، ويتضمن أي فعل من السعي ونقل المعلومات أو الأفكار بغض النظر عن الوسط المستخدم، عملياً حق حرية التعبير ليس مطلقاً في أي بلد، وعادة ما يخضع هذا الحق لقيود مثلما في حالات التشهير والفحش والتحريض على ارتكاب جريمة».
وملاحظ أن معظم التعريفات القانونية لحق التعبير تشترط التفريق بينها وبين التشهير والتحريض اللفظي ضد شخص ما، والذي من الممكن أن يؤدي إلى ارتكاب جريمة بحقه، وفي أغلب الظن أن الحقوقيين قادرون على التفريق جيداً بين حرية التعبير والتشهير، لهذا يصبح اللجوء إلى القانون وسيلة طبيعية وعادلة لاسترداد الحق الشخصي إن كان ثمة متضرر ما، في البلاد التي تتمتع بسلطة مستقلة ونزيهة للقضاء، سيأخذ صاحب الحق حقه حتماً.
في بلادنا العربية، يختلف الأمر تماماً، فلا القضاء لدينا مستقل ولا وسائل التعبير مستقلة ونزيهة، كلها خاضعة إما للسلطات والأنظمة الحاكمة، أو لجهات أمنية، أو لمجموعات مافياوية مالية تمارس سلطة موازية لسلطة الأنظمة، في بلادنا تصبح حرية التعبير مقيدة بالنسبة إلى البعض، ومفتوحة تماما بدون أي قيد بالنسبة للبعض الآخر، يمكن لأي وسيلة إعلامية عربية أن تشهر بأي شخصية عامة، أو مجموعة بشرية ما، يمكن أيضا أن تستخدم هذه الوسيلة أو تلك للتحريض ضد مجموعة بشرية، قد تكون من أهل البلد أو من خارجه، ولا يمكن لأي كان أن يدافع عن نفسه أو يسترجع بعض حقه بالقضاء، فالقضاء أيضا تابع للأنظمة الحاكمة، ورهين أهوائها وسياساتها، يمكن لأي محامٍ بلا ضمير أن يقيم دعوى ضد أي شخص لا يرضى عنه النظام، إذ ثمة في القانون ثغرات كثيرة يمكن النفاذ منها، وسيحاكم هذا الشخص وستتولى وسائل التعبير تبرئة القضاء الذي حكم زورا على هذا الشخص أو ذاك، يمكن أيضا للقضاء تبرئة مجرمين ولصوص وقتلة، وستتولى وسائل التعبير أيضا الدفاع عن قرار القضاء «النزيه».
في بلادنا العربية لا حق لمن لا ينتمي إلى سلطة أو نظام أو عشيرة أو قبيلة، لا حق لمن ليس محميا بمجموعة ما، «يضيع حقه بين القبائل» كما يقال، ظهر هذا أكثر وبات أشد وضوحا وصراحة بعد الربيع العربي، بعد أن استشرست الأنظمة العربية وأصبح إجرامها علنيا وعلى الهواء مباشرة، وبنفس الوقت شعر كثيرون أن الفوضى الحاصلة جراء إجرام الأنظمة تتيح لهم التشهير بأي كان، وأيضا، لم يستطع كثر التفريق بين حرية التعبير وبين الاعتداء اللفظي والتشهير بأي شخص، خصوصا مع وسائل التواصل الاجتماعية، التي أصبحت منبرا متاحا للجميع، ومع الخلافات السياسية في بلادنا والانقسامات المهولة الحاصلة في المجتمعات العربية، يتعرض كثر لحملات تشهير متواصلة وتكاد تكون منظمة، ولا يمكن، بأي حال، إدراجها ضمن حق حرية التعبير، إذ يتم بهذه الحملات التعرض للشخص ولتاريخه ولعائلته ولكل ما يتعلق به، يتم التحريض عليه أيضا بوصفه إما خائنا للوطن أو خائنا للثورة أو كافرا أو زنديقا أو«شاذا» أو أي صفة يمكنها أن تكون مبررا للتحريض على الاعتداء عليه، خصوصا مع «غريزة القطيع» التي عادة ما تميز الجموع.
هذه الحملات المتتالية، جعلت كثر ممن كانوا معنيين بالشأن العام العربي، لاسيما على الصعيد السوري، يتراجعون وينكفئون ويحجمون عن التدخل بأي شأن عام، مفضلين التفرغ لشؤونهم الشخصية والذاتية، أو البحث عن حل فردي لحياتهم، عبر الإبداع إن كانوا من هذه الفئة، أو عبر إيجاد وطن جديد وعلاقات جديدة تحميهم من التعرض للتشهير والشتائم التي يمارسها كثر بحقهم تحت بند حرية التعبير، خسرت الثورات العربية الكثير من المدافعين عنها بسبب هذه الفوضى العارمى التي يظنها الكثيرون حرية رأي وحق، ويشتمون من يعترض عليها ويتهمونه بالعمالة مع الأنظمة لمجرد أنه لا يرحب بالشتائم والاتهامات الجزافية والتحريض وتشويه السمعة. هل نلوم إذا من فضل النأي بنفسه منذ وقت طويل عن هذا الخراب، أم نعتبر ما يحدث مرحلة طبيعية في هذا المخاض العسير؟! سؤال يبدو أنه يستلزم وقتا طويلا لمعرفة الإجابة عنه.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران