كتاب وأراء

النَفسُ والظاهِرة الدينيَّة

يُعتبر الدين من أولى الظواهر التي عاشت مع الإنسان مُنذُ بداية الخليقة، وقد احتَلَّ مكانةً متعاظمةً عند الباحثين والمتخصصين لِما لهُ من تأثيرٍ بالغ في حياة البشرية جمعاء ودورٌ مباشر في نموّها ونضوجها في مختلف مجالات الحياة. إنَّ القرن التاسع عشر الميلادي شَهِد ازدهارًا كبيرًا لوجهات النظر والمقاربات المختلفة في مجال دراسة الظاهرة الدينية وذلك في الوقت نفسه الذي وُلِد فيه علم النفس العلمي.
وكانت الظاهرة الدينية بشكلٍ عام والدين بشكلٍ خاص؛ محل دراسة العديد من عُلماء النفس؛ منهم العالم ستارباك صاحب كتاب: «علم نفس الدين»، العالم ليوبا صاحب كتاب: «على نفس الظواهر الدينية»، والعالم جورج كو والذي كتب مؤلفين في الحياة المعنوية وهما كتاب: «دراسات في العلم المتعلق بالدين» وكتاب: «علم نفس الدين»، ولا يمكننا أن نغفل العالم وليم جيمس الذي ألّف كتب: «أنواع التجربة الدينية»، وغيرهم الكثير ممن قدم أبحاثًا ومؤلفات ثريَّة في هذا المجال؛ أمثال: غوردن ألبرت، فيكتور فرانكل، إبراهام مازلو، ديفيد وولف، ورالف هود.
إنَّ أغلب الكتب التي صُدرت في العقود الأخيرة تميزت بالموسوعيَّة، خاصةً تلك التي كتبها كلٌ من فرويد؛ الذي نظر للدين نظرة سلبية، ويونغ الذي نظر إليه بالإيجاب؛ حيثُ تتصدر كتابات هذين العالمين مكانةً عُليا بين عُلماء النفس؛ خاصة في جانب نظرتهم الخاصة للدين.
وفي زماننا هذا؛ نجد أنَّ ثُلَّة من العلماء يُراهن على اضمحلال الأديان يومًا بعد يوم، وفي الحقيقة؛ أنَّ ما يجدونه وبِلا أدنى شكّ، يُعتبر وَهمًا وسرابًا، خاصةً إذا ما لاحظنا الإقبال المضطرد للبشر في أنحاء المعمورَّة على الولوج لدُنيا «المعنويات» أو «الروحانيات» أو «الدين» بشكله المباشر بعيدًا عن مظاهر التجمُّل في تلك المصطلحات التي تؤدي بالضرورة إلى المعنى الأخير. ومن هذا المُنطلق أقوم حاليًا بدراسة علمية، بما يسَّرَهُ اللهُ، معنيَّة بدراسة الدين من خلال المناهج النفسية التي تتناوله بالعرض والتحليل، وهدفي من هذه الدراسة؛ كهدف أيّ باحث علمي جادّ، وهو تَقَفِّي غريزتي في البحث والتحري عن الحقيقة؛ أينما كانت باندفاع وشوق، لاسيّما أنني أبحث في مجال الأديان؛ فسبرَ أغواره والتعرف العميق لأبعاده المتنوعة يُعَدُّ ذا فائدة كبيرة على بقية العلوم الإنسانية؛ لاتصاله الوثيق بها بشكلٍ أو بآخر. وشخصيَّا أجد أنَّ الدراسة العلمية للبُعد النفسي للدين تأتي بمنفعة معنوية جليَّة، فهي تُضفي العمق لاعتقاداتنا الدينية وتكشف لنا بالتالي الانحرافات والإخفاقات التي تكسو الأديان الأخرى.
قارئي العزيز، إنَّ دراسة مناهج علم النفس الديني وتحليل طبيعة الإنسان المتدين تُعَدُّ من الدراسات المهمَّة جدًا، خاصةً أنها تهدِف إلى فهم وتحليل الظاهرة الدينية المنبثقة في الأساس من مختلف الثقافات والخبرات الإنسانية على مرِّ العُصور. لقد أثبتت مناهج علم النفس الديني الغربي فشلها الذريع؛ فهي لم تستَطِع تفسير الدين بطريقة صحيحة وتبين مدى صلته بالله عزَّ وجَلّ والعالم والإنسان، الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر في أُسس علم النفس الديني في الغرب، وذلك للخروج بأُسس جديدة بعيدًا عن تلك النظرة المادِّية للدين والتي أخفقت في تفسير الدين والسلوك والتجربة الدينية بالشكل الصحيح، وأبعدتهُ كل البُعد عن مصدرهِ الإلهي.
إنَّ هذه النظرة المادِّيَّة أحلَّت العقل الإنساني محَلَّ المُقدَّس؛ فالدين ليس نتاجًا للمجتمعات والثقافات البشرية، وليس نتيجةً لـ «اللاشعور الجمعي»، كما أنه ليس مُحَصِّلَة للنفس البشرية التي غُربَت عن العقل والعلم.
إنَّ كُل هذه الأسباب تدعونا كباحثين جادِّين إلى ضرورة إعادة تأسيس علم النفس الديني وذلك على أُسس نظرية المعرفة في ثقافتنا الإسلامية، وبالتالي أسلمة هذا العلم بإعادته إلى منبعهِ الحقيقي الصحيح.
إنَّ الدراسات التي تُعني بعلم النفس الديني بحاجةٍ إلى بذل المزيد من الجهود من قبل الباحثين المسلمين الجادِّين؛ ليضعوا نُصبَ اهتمامهم دراسة الرؤية الإسلامية لعلم النفس الديني ودراسة التصورات الإسلامية وذلك على ضوء السُنَّة النبويَّة والقُرآن الكريم وسَبر ما قدَّمه العقل الإنساني المسلم عبر تفاعله مع هذين المصدرين المهمين.
قارئي العزيز، إننا بحاجة ماسَّة إلى إعادة قراءة التُراث الغربي في إطار نصوصنا الإسلامية لنقوم بإحلال رؤيتنا الإسلامية الرصينة محلَّ الرؤية الغربية التي هيمنت على كُل منهجيات العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإنَّ التحرر من هذا النموذج المهيمن من أهم الأهداف التي علينا كباحثين أن نسعى إليها من خلال ما نقدمه من دراسات علمية جادَّة في هذا المجال، مع التأكيد على ضرورة الاستفادة من جميع الجوانب الإيجابية التي يزخَرُ بها التُراث العلمي الغربي، لا سيَّما تلك التي تنسجم مع رؤيتنا الإسلامية لمجال علم النفس.
ويمكننا كباحثين التعرُف على طبيعة النفس البشريَّة والحُكم على الشخصية الإنسانية حُكمًا رشيدًا من خلال إبدال وسائلنا وغاياتنا المأخوذة من العلوم الغربية؛ التي تسعى إلى تمييع الحقيقة الدينية الأصيلة وعزلها، وذلك من خلال اتباع المنهج الإسلامي الذي يأخذ مادته من علم الله العليِّ العظيم، وهذا أكبر تحدٍ يواجههُ الباحثون والعلماء الإسلاميون في هذا المجال، وهو يتجلى في نفض التقليد والهيمنة الغربية عن هذا المضمار والاستناد إلى ما لدينا من فائدة عُظمى في قرآننا الكريم وسُنَّتنا النبوية الغرّاء.

خولة مرتضوي