كتاب وأراء

قوة اللغة من قوة أهلها

كتب الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» يقول «فإن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يقيّد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم. وأما من تَلِفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم»، وخلاصة ما يذهب إليه ابن حزم أن قوة اللغة من قوة أهلها وهذا أمر مدرك بمراقبة أحوال الأمم ومعلوم بالعقل ضرورة.
فاللغة الانجليزية اليوم تحتل صدارة اللغات بسبب قوة القائمين عليها وانتشار المعارف المكتوبة بها وحرص المشتغلين بها على تطويرها وتحسينها وتيسير تعليمها لغير الناطقين بها، وهذا ما كانت عليه اللغة العربية زمن امتداد سلطان أهلها وقوة نفوذهم وتحولها إلى لغة العلم والصناعات المختلفة.
فاللغة إنما تستمر من خلال اهتمام أهلها بها واشتغالهم بمفرداتها وحمايتهم لها عبر منحها الأولوية كلغة للبحث والتدريس واعتبارها أداة التواصل المركزية في قرارات الدولة وفي كل ما يتعلق بحياة مواطني الدولة الناطقة بها.
من هنا نفهم أهمية الخطوات القطرية الرائدة في دعم اللغة العربية وحمايتها بقانون يلزم الوزارات والهياكل الرسمية والمؤسسات التعليمية باستخدام اللغة العربية في جميع ما يصدر عنها من أنظمة وتعليمات ووثائق وعقود ومعاملات ومراسلات وتسميات وبرامج ومنشورات وإعلانات.
وهذا القرار الرسمي في قطر (والذي صدر بتصديق صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر عليه)، يأتي لتأكيد التوجه العام للدولة هناك للحفاظ على اللغة العربية من خلال مؤسسات مهمة مثل «المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية» وصدور معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في مرحلته الأولى بما يتيح الفرصة إلى إيضاح السياق التاريخي الذي تشكلت فيه هذه اللغة للانطلاق لاحقا نحو تطويرها وإضفاء مزيد الحيوية عليها. هذه الإجراءات التي تندرج ضمن خيار شامل من أجل إعادة الاعتبار للغة العربية تشكل عاملاً مهماً نحو مزيد البناء الحضاري.
فالإنسان كائن لغوي وهو بصفته هذه يمكنه التأثير في الآخر من خلال التواصل معه وهو ما يمنحه فاعلية وقدرة على التغيير، واللغة هي الأداة المركزية لصناعة الحضارة والمساهمة في التراث الإنساني المشترك، وأن من ملامح التراجع لدور الأمة العربية يكمن في تراجع مكانة لغتها مقارنة بلغات أخرى نافذة ومهيمنة، واللغة العربية تعاني من مرض عضال يكمن في حالة من الفصام بين الفصحى والعامية من جهة وبين الحضور القوي للغات الأجنبية (الفرنسية في المغرب العربي والانجليزية في المشرق).
بقلم: سمير حمدي

سمير حمدي